::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::
  التسجيل ::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+:: ::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::  
::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+::

العودة   منتدى الأزهريين > العقيدة والفرق
   

العقيدة والفرق ما يكتب في هذا القسم يجب أن يكون موافقا لعقيدة الجمهور (الأشاعرة والماتريدية).

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #16  
قديم 13-01-2017, 04:10 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

هنا تابع القاضي، قائلاً: أولا تعمل بالسنة؟! ..
فأجابه الإمام النوري نحن لا نعمل إلا بالسنة، وخلقنا القرآن على أثر أخلاق سيد الأنام عليه الصلاة والسلام، فنحن على أثر النبي العدنان صلى الله عليه وآله وسلم، بالقول والموافقة بالتشبه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتمثل بصحبه الكرام، والعمل على المطابقة والتماثل بسلوكه صلى الله عليه وآله وسلم، ما وسعنا أن نفعل ذلك بعون الله وفضله، مقتبسين منه صلى الله عليه وآله وسلم، الحق المبين، ومستلهمين من أثره الشريف الرصين حقيقة كل الدين، وملتمسين من نور سراج قلبه بيان القرآن المنزل عن يقين، ولا يكون هذا إلا بدوام الاتباع وترك الابتداع، والتأسي به بحسن الاقتداء، والتَمَثُلِ بعظيم أخلاقه الندية، ووفير تقواه العلية، عملاً بقوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } [الأحزاب : 21] ..
وفي مجالسنا نذكر متون ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم، بالوعظ والإرشاد وبما ترق به قلوب العباد، فالسنة شرح الكتاب فمن ضل عنها ضل عن الكتاب ..
فقال القاضي: ما دامت السنة كما قلت شرح الكتاب، فلما لم تشرح بها آياتك الدلالية الشرعية؟ ..
فقال النوري: لأن المقدم بيان قول الله، بما قاله الله، فأفضل البيان تبيان القرآن بالقرآن، فمن لم يجد فعليه بسنة النبي العدنان عليه أفضل الصلاة والسلام ..
فقال القاضي: بلغني أنك تروي نصوص السنة، من غير ذكر رواتها ..
فقال النوري: نعم، نروي المعروف بقلوبنا، والمشهور عند شيوخنا من الحديث، موصولاً بالنبي صلى الله عليه وآله سلم، من غير رواته أو حتى راويه أحياناً ..
فقال القاضي: فلما تروي السنة من غير رواتها أو سند روايتها؟ ..
فأجاب الإمام النوري: لأن القائل أعظم وأجل من الناقل، فالوجب من باب التقدير تقديم ذكره صلى الله عليه وآله وسلم، على ذكر راوي القول عنه ..
فقال القاضي: إذا أنت تنكر العمل بالسند؟! ..
فقال النوري: لا أنكره ولا أتباعه لأعمل به، وأجل حفاظه وحماله ومبلغيه، وأدعوا لهم بحسن السداد وخير الرشاد، ولي فيه عن شويخي سند واحد لأكثر من أثر واحد ..
فقال القاضي: ما دمت لك في سند الحديث سند واحد، فلما لا تعمل بسند الحديث وتتعلمه؟، ويكون لك به باع، فالسند من الدين ..
فقال: لأنه له أهله من حملته الأجلاء، وهو عندي ليس من زاد الآخرة، ولا هو عندي من عدة القبور، إنما أحفظ من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما أعمل به، أو أرشد وأعظ به، وهذا غاية مطلبي ..
فقال القاصي: كيف تعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، دون سند يثبت نسبته مرفوعاً إليه صلى الله عليه وآله وسلم؟! ..
فقال أمير القلوب النوري: لأن الحديث له ضياء كالشمس يتراءَ لك بنور التقوى المقتبس من نور مشكاة قلب سيد المرسلين محمد عليه الصلاة والسلام، فهذه الصلة القلبية، توصلك إلى فحوى الهداية المحمدية بالموافقة العقلية، وليس بالأسانيد النقلية، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جاء بالحق الذي لا يشهده بحقيقته العلمية، إلا أهل الحق، لقوله تعالى: { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [سبأ : 6]، فكل من نطق به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو موافق للحق المنزل، وتعرفه قلوبنا المستنيرة بأنوار النبوة، أنه من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ثبت عندنا من المأثور الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: ( إذا سَمِعْتُمُ الحَديثَ عنِّي تعرِفُهُ قلوبُكُم )؛ (28)؛ ولا يعرف ذلك إلا بنور التقوى المحمدية، الذي نرى به الحق حقاً فنتبعه، والباطل باطلاً فنتجنبه، لقوله تعالى: { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } [الرعد : 19]، فلا يعرف ذلك إلا أرباب القلوب، ويكون ذلك بنور العقل وهو جوهر القلوب الذي يفرق به بين الحق والباطل، فالله تعالى يقول: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج : 46]، وعلى قدر معرفتنا به تعالى تستنير قلوبنا بنور تقوى النبوة، وتتفتح عقولنا بذلك النور، فكل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، موافق لكتاب الله عز وجل بالدلالة والإشارة، بنصه ودليله، والسنة بيان محصور بمكنون القرآن، لأن الله تعالى، يقول: { وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [النحل : 64] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 13-01-2017, 04:11 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

فقال القاضي لكن الله كرم رجال السند وفقهاء الحديث، كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ )؛ (29) ..
فتبسم النوري، ثم قال: سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: ( (( إِنَّ لِلَّهِ أَهْلَيْنِ مِنَ النَّاسِ ))؛ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَهْلُ اللَّهِ؟ قَالَ: (( أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ )) )؛ (30) ..
فصمت القاضي وتبسم، وقال: ألا تخبرني عن حديث بسندك؟ ..
فقال النوري لي كما أخبرتك في الحديث سند واحد لأكثر من حديث واحد، وهو سندي عن شيوخي، ثم قال ومنها: حدثنا شيخي السَّرِيُّ، عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرُخِيِّ، عَنِ ابْنِ سِمَاكٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( مَنْ قَضَى لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً، كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ ،كَمَن خَدَمَ اللَّهَ؛ وفي رواية: كَمَن حَجَّ واعتَمَرَ )؛ (31) ..
فقال القاضي لا أعرف عدالة لهذا السند ولا أعرف أن هذه الطبقات من رواة الحديث، إلا سفيان الثوري عن الأعمش، ولم أقرأ بكتب أئمة الحديث الصحاح مثل هذا المتن ..
فقال النوري، لولا ثقتي بشيوخي، ولولا اجماع من عرفهم ومن خَبِرَهُم على حسن صدقهم وتمام عدالتهم، وعلوي تقواهم، ما أخذت منهم شيء، فهم أهل ثقة مجربين بالقول والعمل، وهذا الحديث صحيح بمتنه إن لم يصح سنده عندكم، لأنه موافق لقوله تعالى: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [المائدة : 2]، ففي الآية قدم الله تعالى التعاون على الخير وإنقاذ الغير بالبر والتقوى، على مطلب التقوى للذات، ويؤيد ذلك، من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( واللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ )؛ (32)؛ ويصدق ذلك قوله تعالى: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } [الفتح : 10] ..
وكذلك قوله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( مَن كانَ في حاجَةِ أخيِه، كانَ اللهُ في حاجَتِهِ )؛ (33) ..
هنا صمت القاضي قليلاً ثم قال: ولكن كيف عرفت بصحة هذين الأثرين الذي استشهدت بهما، لتصحيح معنى أثرك، وأنت لا علم لك بالسند وسلاسل الأصحاء الثقاة، ولم تقرأ بكتب الحديث قط؟، فقال النوري: "مَنْ عَقَلَ أن الأشْيَاءَ كُلّهَا تُعْرَفُ بِالله، فَرُجُوعُهُ فِيْ كُلِ شَيِءٍ إِلَىّ الله"، (34) ..
هنا أدرك القاضي الأزدي أن يحاور عارف كبير ومتفقه خبير، فأحجم ..
يتبع ..
----------------------------
(27) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: (( مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ))؛ رواه الشيخان البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2262/ر:5747]، ومسلم في "صحيحة" [ج6/ص: 392/ر:2002]، والنسائي في "سننه ’المجتبى’" [ج3/ص: 209/ر:1577]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 263/ر:14022]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 186/ر:10]، وصححه ابن خزيمة في "صحيحة" [ج3/ص: 143/ر:1785]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
(28) النص الكامل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إذا سَمِعْتُمُ الحَديثَ عنِّي تعرِفُهُ قلوبُكُم، وتَلينُ لَهُ أشعارُكُم وأَبشارُكُم، وترَونَ أنَّهُ منكُم قريبٌ، فأَنا أَولاكُم بِهِ، وإذا سَمِعْتُمُ الحديثَ عنِّي تنكُرُهُ قلوبُكُم وتنفِرُ أشعارُكُم وأبشارُكُم، وتَرَونَ أنَّهُ منكُم بَعيدٌ، فأَنا أبعدُكُم )؛ رواه ابن حبان في "صحيحة" [ج1/ص: 264/ر:63]، بإسناد صحيح، على شرط مسلم؛ رواه البخاري في "التاريخ الكبير" [ج3/ص: 391/ر:1585]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 425/ر:23606]؛ وصححه ابن كثير في "تفسير القرآن" [ج4/ص: 275]؛ والهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج1/ص: 154]؛ وأحمد شاكر في "عمدة التفسير" [ج2/ص: 64]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:699]؛ وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:612]؛ وحكمه: [صحيح]؛ وفي رواية أخرى أقل صحة: ( إِذَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي بِحَدِيثٍ تَعْرِفُونَهُ وَلا تُنْكِرُونَهُ قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ فَصَدِّقُوا بِهِ، فَإِنِّي أَقُولُ مَا يُعْرَفُ وَلا يُنْكَرُ، وَإِذَا حُدِّثْتُمْ بِحَدِيثٍ تُنْكِرُونَهُ وَلا تَعْرِفُونَهُ فَكَذِّبُوا بِهِ، فَإِنِّي لا أَقُولُ مَا يُنْكَرُ وَلا يُعْرَفُ )؛ رواه الدار قطني في "سننه" [ج4/ص: 408/ر:4475]؛ والذهبي في "سير الأعلام" [ج8/ص: 199/ر:609]؛ الخطيب في "تاريخ بغداد" [ج11/ص: 391/ر:3910]؛ وورد في "نوادر الأصول" للحكيم الترمذي [ج1/ص: 233]؛ وورد في "التاريخ الكبير" للبخاري [2/ص: 434]؛ وفي "كنز العمال" للمتقي الهندي [ج10/ص: 230] ..
(29) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 346/ر:3660]، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3660]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 33/ر:2656]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2656]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 128/ر:230]، ورواه الدارمي في "سننه" [ج1/ص: 80/ر:233]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج6/ص: 233/ر:21080]، وصححه الشيخ شاكر في "مسند أحمد" [ج6/ص: 96]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:9264]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:6762]، وصححه ابن حبان في "الثقات" [ج2/454/ر:680]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 162/ر:294]، ورواه أبو يعلى في "مسنده" [ج13/ص: 335/ر:7413]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(30) رواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 121/ر:215]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:179]؛ ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 891/ر:3206]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأسد في "سنن الدارمي" [ج2/ص: 536]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 580/ر:11870]، بإسناد حسن؛ بتحقيق الأرنئوط في "مسند أحمد" [ج3/ص: 127]؛ وبإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج10/ص: 111]؛ ورواه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 743/ر:2046]، وقال: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْ أَنَسٍ هَذَا أَمِثْلُهَا؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:2374]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [2165]؛ وصححه المنذري في "الترغيب" ووافقه الألباني في "صحيح الترغيب" [ر:1432]؛ وصححه الدمياطي في "المتجر الرابح" [ج1/ص: 192]؛ وصححه الزرقاني في "مختصر المقاصد" [ج1/ص: 227]؛ والصعدي في "النوافح العطري" [ج1/ص: 75]؛ وصححه الوادعي في "الصحيح المسند" [ج1/ص: 78]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(31) ورد في "تخريج الإحياء" للعراقي [ج3/: 1211/ر:1807]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج5/ص: 131]؛ وفي "العلل المتناهية" لابن الجوزي [ج2/ص: 511/ر:844]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج10/ص: 255]؛ وفي "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 99]، وهو: حسن لغيره ..
(32) رواه مسلم في "صحيحة" [ر:2699] ..
(33) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ر:2442]؛ ومسلم في "صحيحة" [ر:2580] ..
(34) ورد في "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 100]؛ وفي "الكواكب الدرية" للمناوي [ج1/ص: 525] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 14-01-2017, 10:09 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

ثم تابع القاضي حديثه مع الإمام النوري، فقال له أعندك حديث آخر ترويه؟ ..
فقال: عندي ولكن بسندي السابق ..
فقال القاضي أخبرني عن أحدها، فقال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ( أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لا يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ بِهِمَا، غيرُ شاكٍّ، إِلا حَجَبَتَا عَنْهُ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )؛ (35) ..
فقال القاضي: هذا حديث صحيح عندنا بسند آخر، ولفظ مشابه بالمعنى والقصد، ولكن هذا المتن ليس من رواية أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه، فرواية أنس: ( مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ )؛ (36) ..
هنا أخبر النوري القاضي، بأن ما يقوله أنه من رواية أنس رضي الله عنه، هو عن أنس بالشهرة وكثرة روايته ربما متفرداً بتبليغه لأكثر من راوي عنه، والنص المحمدي الذي رواه النوري أكثر شهرة فقد رواه أنس وغيره من الصحابة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله على ملأ من الصحابة في إحدى الغزوات، وهذه الألفاظ على تعددها وتنوع صيغها، مصبها في معنى واحد وهو معرفة كلمة التوحيد معرفة قلبية شهودية، وفضل هذه المعرفة اليقينية يتجلى في الدارين ..
ثم أخبر أمير القلوب النوري قاضي القضاة الأزدي، أن هذه المشغلة بدقائق الرواية وإن كانت من الورع، إلا أن هذا الورع إن كان على حساب إهمال معاني المتون ودلالاتها الوجدانية، تغدو معصية بترك تقديم الجوهر الدلالي العقلي، والاهتمام بالقشور الروائي النقلي، وهو سر عدم انشغال النوري بهذا العلم رغم أهميته بحفظ أصول الدين، وأخبره بأن النظر في مفاريد صحيح الرواية، لا يخرج عن طور الظن بنسبتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأخذ بمجاميع الألفاظ الجامعة لمعنى دلالي واحد توصل إلى اليقين، ففقه متن الحديث، مقدماً في أصول الدين على فقه رواية الحديث ..
هنا صمت القاضي متدبراً ما قاله الإمام النوري، ثم قال: من هو الفقيه عندك؟ ..
فقال الفقيه الحق عندي: من عرف الله حق معرفته، وعرف ما قد يرضي الله فاتبعه، وعرف ما قد يسخط الحق تعالى فاجتنبه، ومقت ذاته ابتغاء قرب الله، ولم يدع القرآن رغبة إلى ما سواه، فأشهده الحق لمعاني كتابه وجوه عدة ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 14-01-2017, 10:10 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

هنا رأى القاضي أن يعرض على الإمام النوري بعض الأحاديث التي حفظها من الموضوعات، التي أدين بوضعها غلام الخليل، ونسب هذا الأخير أصل القول بها للإمام النوري، ليتحقق تماماً من عدم نسبتها إليه، فقال: أخبرني يا شيخ، ما دمت تعرف فقه الصحيح من عدمه بالحديث، عن الحديث الذي نصه: ( تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَىّ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِيْ الجَنَّةِ، إلَّا فِرْقةً وَاحِدَةً، وَهِيَ الزَّنادقةُ )؛ (35) ..
فقال النوري لا يصح من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصحابته ولا التابعين بل هو من قول الزنادقة، لأنه يدعو إلى الفرقة، حتى وإن تفرد بأن المخالف هم الزنادقة فتلك تورية، لأنه مخالف لما جاء بالكتاب من قوله تعالى: { َاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [آل عمران : 103]؛ وفي سنة رسول الله الصحيحة كثير من الأحاديث تؤكد ذلك، لأن يد الله مع الجماعة، ونبذ الفرقة، والصحيح أن الفرقة الواحدة هي الناجية وهي الجماعة، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ؛ وإِنَّه سَيخرُجُ من أُمَّتِي أقوامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلكَ الأَهواءُ كَما يَتَجارَى الكلبُ لِصاحِبِه، لا يَبقَى مِنه عِرقٌ ولا مِفْصَلٌ إِلَّا دَخَلَهُ )؛ (36) ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 14-01-2017, 10:10 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

هنا وافقه القاضي، وقال له أصبت، فما قولك بما نسب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: ( مَنْ قَبَّلَ غُلامًا لِشَهْوَةٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَإِنْ صَافَحَهُ بِشَهْوَةٍ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ صَلاتُهُ، فَإِنْ عَانَقَهُ لِشَهْوَةٍ ضُرِبَ بِسِيَاطٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ فَسَقَ بِهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ )؛ (37) ..
فأجاب النوري، حديث منكر مكذوب بالمتن والسند، لأن الله أمرنا أن لا نقترب من موجبات الزنا، بقوله: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً } [الإسراء : 32]، فكيف بما هو أشد وأخبث فاحشة يهتز لفعلها العرش، ويغرد لفعلها الشيطان، ولم تكن في سنن الأولين وشهوتهم قبل قوم لوط، بقوله تعالى: { وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ } [الأعراف : 80]، لا أراه إلا من قول الزنادقة ..
هنا تابع القاضي وقال: صدقت، فما رأيك بالأثر القائل: ( يَدْخُلُ سلًيْمانُ بن دَاوُد الجنّة بَعْدَ دُخُولِ الأنْبِياّءِ بِأّرْبَعِينَ عَاّمَاً، لِلسَبَبِ الذِي أّعْطَاهُ اللهُ تَعَالىّ )؛ (37) ..
فقال الإمام النوري هذا لا يصح من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إنما هو من وضع الزنادقة وضاعي الأخبار الكاذبة ..
لأن الله تعالى، يقول: { وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ص : 30]، فالمديح بالآية عائد من بلاغة القرآن على نبي الله داود وابنه سليمان، فسليمان كما يقول الله تعالى: { نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ }، ولقد ساوى الله بين داود وأبنه بالفضل في موضع آخر فقال: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ } [النمل : 15]، فقد فضل الله سليمان عليه السلام على كثير من عباده المؤمنين، فقد قال المؤمنين بالتفضل الأخروي، وليس المالكين، فمثل هذا يؤخر عن الجنة؟!، أربعين عاماً وأين كان هذا التأخير، في العذاب أم في الحساب؟! ..
وكيف يؤخره الله تعالى عن الجنة، وهو القائل فيه في كتابه الحكيم: { وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ } [ص: 40]، وهل حسن المآب أو المرجع بتأخيره عن الجنة؟! ..
ثم قال النوري: أيها القاضي حديثك هذا لا يصح لا بالنقل ولا بالعقل، فالله تعالى يقول: { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [البقرة : 285] ..
فلا يكون هناك تفرقة بمقام النبوة ولا بالجزاء، إنما فضل الله بين رسله بأن رفع بعضهم فوق بعض بالدرجات، لقوله تعالى: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } [البقرة : 253]، فالله فضل نبيه سليمان عليه السلام بأن سخر له كل شيء، كتفضيل دنيوي، ورفع غيره عنه مقابل ذلك بالدرجات كتفضيل آخروي، ولا يكون ذلك بالتأخير عن الجنة ..
فقال القاضي صدقت فهذا الحديث لا أصل له عندنا ولا يصح بكل متونه وأسانيده، وتبين لي أنه لا يصح أن يكون من روايتك معلقاً أو بسند، كما أدعى غلامكم الكذاب ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 14-01-2017, 10:11 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

فقال من تقصد بغلامي الكذاب، فقال القاضي ذلك الواشي الجاحد، المعروف بغلام الخليل، فقد قال لنا غلامكم المرائي ابن غالب الباهلي، غلام الخليل، أنه سمعك تقول: "أّنَا ّأّعْشَقُ الله عَزْ وَجَلّ، وَهُوَ يَعْشَقُنِيِ"، ثم قلت سمعت الله يقول: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة : 54]؛ (39) ، وأشار إلى أنك بهذا القول تعتقد بعقيدة الحلول والاتحاد والمزج، وهي عقيدة فاسدة يقول بها الزنادقة ..
فقال الإمام النوري: هذا المقال صحيح من قولي، ولا حلول فيه البتة، لأن محبة الله لعبده تكون بمودة الودود بالوداد للعباد المؤمنين، لقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً } [مريم : 96]، أي يجعل لهم منه مودة، لأنه يحبهم، فإن أدركوا هذه المودة وتعايشوا معها أحبوه كما أحبهم، وبيان ذلك بقوله تعالى: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة : 54]، فعشقه لنا بالتودد، يقابله عشقنا له بالموافقة والمولاة بالقول والعمل، فمصداق محبة الله لعبده المؤمن، بالمودة الفعلية، تكون بزيادة الفضل والنعم والخيرات، ومصداق محبة العبد لربه بالشكر بالموافقة والمولاة للحق، لقوله تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } [إبراهيم : 7]، والشكر هو تأويل عملي للمحبة عند عباد الله الأولياء، وهم قليل لقوله تعالى: { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [سبأ : 13]، ويبقى هذا التجاذب بين العبد وربه، مع الزيادة فيه، حتى يبلغ العبد مقام الإحسان ويدرك حقيقة العبودية، وهو عشق اللاهوتية ..
فصمت القاضي برهة، ثم قال: ولكن ما قولكم بأن المحبة لله إذا غلبت في القلب غيبت المهابة أو الخوف؟، والمتعارف عليه بالسنة أن الخوف والرجاء إذا ما وزنا بقلب المؤمن تساويا، فأطرق ابن البغوي الصوفي، ثم رفع رأسه وتبسم وقال: غلبة المحبة لا تذهب الخوف ولا تغيبه، إنما يلازم المحبة خوف أخر غير الخوف المغيب بزيادة المحبة، وهو الخوف من ذهاب حال المحبة عن المحب وهو ما يدخله في جحيم يفوق عذاب جحيم الآخرة، بتغير هذا الحال، أو ثباته دون زيادة، أو تناقصه حتى النفاذ، إن لم يكن هناك استزاده من المحبة لله، وهو خوف أشد على المحب من الخوف المغيب بشدة حب العبد لربه، ومصداق ذلك قوله تعالى: { يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء : 90] ..
أي رغبتاً بالاستزادة من المحبة وهو المقدم بالآية أعلاه، ورهبتاً من نقصانه أو ذهابه أو حتى ثباته على حال من الأحوال دون زيادة، وهي خصوصية الولي، أما العارف أو العالم فيغلب عليه الإجلال والهيبة والخشية من الحق مع الطمع بزيادة المعرفة للحق، والظفر برضاه سبحانه، كما في قوله تعالى: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [السجدة : 16]، والوازع بالمحبة أثبت وأدوم من رادع الخوف وأصدق ..
فتقديم الرغبة على الرهبة في الآية الأولى دليل قطعي على غلبة الحب على الخوف، وتقديم الخوف على الطمع المبني على الخشية والهيبة، طلباً للرضا والرحمة، في الآية الأخيرة، دليل على غلبة الإجلال في قلب العارف عن إظهار حبه لله ..
هنا نظر القاضي إلى ابن البغوي النوري وصمت قليلاً ثم قال: أحسنت التأويل، وأصبت بالدليل، جزاك الله خيراً، وزادك من فضله علماً وفهما وهدى ..
يتبع ..
------------------------
(35) رواه مسلم في "صحيحة" [ر:27]، بلفظ: ( أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأنِّي رسولُ اللَّهِ، لا يلقى اللَّهَ بِهما عبدٌ غيرُ شاكٍّ فِيٍهِمَا، إلَّا دخلَ الجنَّةَ )؛ وصححه الوادعي في "الصحيح المسند" [ر:1257]؛ ورواه الفريابي في "دلائل النبوة" [ج1/ص: 29/ر:1]، وصححه الوادعي في "صحيح دلائل النبوة" [ج1/ص: 225]، وقال: صحيح ورجاله ثقات ..
(36) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج1/ص: 59/ر:128]؛ ورواه مسلم في "صحيحة" [ج1/ص: 240/ر:32]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(37) ورد في "الضعفاء الكبير" للعقيلي [ج4/ص: 201]؛ وفي "الموضوعات الكبرى" لابن الجوزي [ج1/ص: 439]؛ وفي "الأباطيل والمناكير" للجوزقاني [ج1/ص: 464]، وأورده ابن تيمية في "بغية المرتاد" [ج1/ص: 336]، وقال بحكمه: لا أصل له بل هو موضوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث ..
(38) رواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 414/ر:3992]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3241]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 611/ر:12070]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج8/ص: 301]؛ وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" [ر:1492]؛ وفي "صحيح الجامع" [ر:1082]؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
(39) ورد في "الكامل في الضعفاء" لابن عدي الجرجاني [ج1/ص: 322]؛ وفي "اللآلئ المصنوعة" للسيوطي [ج2/ص: 108]؛ وفي "تنزيه الشريعة" لابن عراق [ج2/ص: 221]؛ وفي "الموضوعات الكبرى" لابن الجوزي [ج3/ص: 113] ..
(40) ورد في "قوت القلوب" للمكي [ج1/ص: 285]؛ وورد في "تنزيه الشريعة" لابن عراق [ج2/ص: 283/ر:40]؛ وورد في "الموضوعات الكبرى" لابن الجوزي [ج6/ص: 362]، وأنكره العراق في "تخريج الإحياء" [ج6/ص: 167] ..
(41) ورد في "تلبيس ابليس: لابن الجوزي [ج1/ص: 211] ..
========================
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 15-01-2017, 03:59 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

تابع القاضي حواره مع الإمام النوري، فقال: ما دمت بهذا الفهم الصحيح والدقيق لعقيدة التوحيد، هل لي أن أسئلك شيئاً بدقائق التوحيد؟ ..
فتبسم النوري، وقال سل ما بدا لك ..
فقال أخبرني إذا، من أنت، لماذا أنت، ولما كنت، وأين أنت؟ ..
هنا تسمر النوري، وأطلق فكره، دون جدوى، ترتجى رغم ما آتاه الله من حكمة وفهم، ثم أطرق وأغمض عينيه، والتجئ إليه سبحانه بالكلية، ثم رفع رأسه بعد وقت قضاه في المنجاة، وتبسم، ثم قال: أنت تقصد، بأسالتك هذه، أن تقول: من أنت من الله، لما خلقك أنت، ولأي شيء خلقك، وأين أنت من الله أين الله منك؟، هنا تبسم القاضي، وقال أحسنت فهذا ما قصدت، فهل لك أن تجيب؟ ..
هنا، قال النوري: أما قولك من أنت؟ أو من أنت من الله؟، فأقول: إن كنت موجوداً فوجودي، لا يكون إلا بالحق، وللحق، بأن أكون عبداً حقاً للحق تعالى، أقررت بذلك أو أنكرت، طوعاً أو كرهاً، لقوله تعالى: { ِإِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً } [مريم : 93] ..
هنا توقف الإمام النوري عن المتابعة، وقال: قبل أن أتابع الإجابة، ومن ثم أجيب على باقي الأسئلة هل لي بسؤال واحد، فقال القاضي تفضل يا شيخ، فقال النوري أخبرني من أنت؟ لتسألني بهذه المسائل؟ ..
فقال القاضي: ما بالك يا شيخ أنا قاضي القضاة ..
فقال الإمام النوري: تريدني أن أجيبك عن دقائق التوحيد، وأنت غارق بشدائد الإشراك والتفريد ..
فتغيرت ملامح القاضي، وظهر في وجهة معالم الغضب، وقال بغلظة: تتهمني بالإشراك؟!، فقال النوري: وأنت اتهمني بالزندقة ..
فقال القاضي: فعلت ذلك لأنك كنت عندي متهماً بتهمة أجمع عليها كبار العلماء، ولأني قاضي القضاة فإما أن تجرم أو تبرئ، فقال النوري: وهذا هو موطن الشرك عندك، إذا أنك تدعي أنك قاضي القضاة الذي يقضي بالحق ولا يقضى عليه، فأنت من جعلت نفسك شريكاً بالملك مع الله، لا أنا، ففرعون من قبلك فر من عون الله: { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } [النازعات : 24]، وأنت قلت أنا قاضي القضاة، وقاضي القضاة هو الرب الأعلى الذي يقضي بالحق ولا يقضى عليه، وظن فرعون أنه موطن العدل والحق، فقال : { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } [غافر : 29] ..
أما سمعت أن رسول الل صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، قَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُوَ يَعْلَمُ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى وَهُوَ لا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَذَاكَ فِي النَّار، وَقَاضٍ قَضَى بِحَقٍّ فَذَاكَ فِي الْجَنَّةِ )؛ (42) ..
فأين أنت من هؤلاء؟ ..
هنا صمت القاضي وأطرق للحق مذعننا، فقال له النوري، أكان عسيراً عليك أن تقول أنا فلان أو ابن فلان أو أبو فلان، أصعب عليك أن تقول إنما أنا عبد من عباد الله أقضي بما يرتضيه الله، أو قاضي من قضاة المسلمين ولاني الله القضاء، أو تقول إنما أنا قاضي بما أمر الله به من عدل ..
أيها القاضي، أين أنت من التوحيد والعبودية، وقد غلب عليك الرياء والتباهي بالألقاب الدنيوية، إن لم تقع في المحظورات الشركية، وتريد أن تحاسبني على أني مشرك وزنديق، وأنا بعيد كل البعد عن الرياء والسمعة، والمطالب والمطامع الدنيوية، نحن لسنا زنادقة كفر، إنما بفضل الله ومنته مخلصون موحدون بالكلية، فالتصوف الحق هو التوحيد بذاته، لأنه هو ترك حظوظ النفس من كل أهوائها الذاتية وشهواتها الدنيوية إلا هوانا الأكبر في نيل العبودية ..
فنحن بعون الله ومشيئته موحدون بالكلية: لِأّنَنَا عِبَادٌ يَقُوّمُوّنَ بالله، ويَرُوحُوّنَ بالله، ويَنْطُقُوّنَ بالله، ويَحْيُوّنَ بالله، وَيَمُوتُونَ بالله، ويَسْمَعُونَ بِاللَّهِ، وَيَنْظُرُونَ بِاللَّهِ، وَيَصْدُرُونَ باللَّهَ، وَيَرُدُّونَ بِاللَّه، وَيَأْكُلُونَ بِاللَّهِ، وَيلْبَسُونَ بِالله، ويَرْجَعُوْنَ بِكُلِ الأُمُورِ لله، وإنْ قَاّمُوا بِالَحقِ قاموا لله، ووثِقُوا بنظرة الله إِلِيِهِمْ وَمَعِيَتِهِ، فَتّوّكَلُوا حَقَ التَوَكُلِ عَلّىَ الله، فَنَحْنُ قَوْمُ لَيِسَ فِيْ قُلُوّبِنَا إلّا الله وَمَا يُرضِي الله، ولا توجه لنا ولا قصد غير وجهه سبحانه؛ عملا بقوله تعالى: { ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [الروم : 38] ..
هنا هز هذا الكلام الحق وجدان القاضي فأطرق وبكى، ثم رفع رأسه وقال: صدقت، وإن شئت أعفيتك من أسئلتي، فلست بمكان يحق لي فيه أن أسألك ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 15-01-2017, 03:59 AM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي


هنا قال النوري: أنا لم أعظك تهرباً مما سألت، ولكن لأذكرك بما نسيت، ثم قال: بل أجيب رحمني وإياك الله، على أن تعاهدني على التوبة عن مظاهر الكبر الشركية، وترك المراءة، والمطامع الدنيوية، فقال القاضي أعاهدك أمام الله على ذلك ..
فعاد وقال النوري ما أنا بعبوديتي إلا مِلْكُ من ملكوت الله، ومخلوق فاني لا بقاء لي إلا بالله، وليس عندي في قلبي لغير الله شيء، لقوله تعالى: { يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر : 16] ..
فقال القاضي: صدقت، ولكن أخبرني يا شيخ، إن كنت متفرغ لله بالكلية منشغل به عمن سواه، كما تقول، فأين شغلكم بالمعيشة وكيف تحصلون أقواتكم ولا عمل لكم، إلا عمل الآخرة؟!؛ وأين أنت بهذا المسلك من قوله تعالى: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا .... } [القصص : 77]، أليست هذه من الرهبانية التي نبزها الدين وكانت من سنن الأولين ونهى عنها الرسول الأمين، عملاً بقوله تعالى: { .... وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } [الحديد : 27] ..
ألم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لعُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ: ( يَا عُثْمَانُ، إِنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا، أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَحْفَظُكُمْ لِحُدُودِهِ )؛ (43)، وكان قد شكته زوجه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فَقَالَتْ: ( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عُثْمَانَ يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ )؛ فعندما التقى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( يَا عُثْمَانُ لَمْ يُرْسِلْنِي اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّهْبَانِيَّةِ، وَلَكِنْ بَعَثَنِي بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ، أَصُومُ وَأُصَلِّي، وَأَلْمِسُ أَهْلِي، فَمَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي، وَ مِنْ سُنَّتِيَ النِّكَاحُ )) )؛ (44) ..
وعَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه، أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا أَتَزَوَّجُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُصَلِّي وَلَا أَنَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصُومُ وَلَا أُفْطِرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ( أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي )؛ (45) ..
فهذه الرهبانية مخالفة للسنة النبوية ..
فقال النوري: لا عجب من هذا السؤال أن يأتي منك ومن كان على شاكلتك، لقوله تعالى: { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً } [الإسراء : 84]، ثم قال: "مَنْ عَقَلَ أن الأشْيَاءَ كُلّهَا بِالله، فَرُجُوعُهُ فِيْ كُلِ حَاّلاَتِهِ إلِيِه"، أيها القاضي أقول لك أما رهبانينا التي ابتدعناها فقد رعينها حق رعيتها، وكان أكثرنا فيها مؤمنين، ولم نخالف سنة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، لأنا نصوم ونفطر، ونقوم وننام، ونعطي أهلنا حقها، وأرزاقنا قسطها، أيها القاضي أنما أنتم قوم متبرون [من التبر وهو الذهب، أي مكنزون للمال ومدخرون]، ونحن قوم مدبرون [أي نقتصد بما يأتينا من الرزق، بحسن التدبير فيه] ولا ندخر لأننا متوكلون على الله في أرزاقنا، فالتوكل الحق أن تكون ثقتك بما مخبئ لك بيد الله، أوثق من ثقتك بما هنو ظاهر بيديك، فنحن ننفق ولا ندخر من الرزق إلا على قدر الحاجة، ونتصدق مما زاد على أهلنا وزوي الحاجة فينا، أما تعلم أن ابن البغوي "النوري" ملكه الله حانوتاً بالسوق يشتغل به ويبتاع ويتصدق منه، فيأتيني منه ما يكفيني دون عناء يضنيني، أو انشغال يلهيني، عملاً بقوله تعالى: { رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } [النور : 37]، وتجدني بفضل الله أُنفق وأتصدق منه بما يغنيني بالله عمن سواه، فإنما الغنى غنى النفس ونحن أغنياء بالله، فإن الله يرزقنا كما يزرق الطير، لصدقنا بالإيمان به وحسن التوكل عليه، دون بزل جهد منا يذكر أو تَدَبُرِ وتدبير يؤثر، فالله خلقنا لأجل عبادته، وخلق لنا الدنيا وسخرها لنا إن عبدناه حق عبادته، وذكرناه كما ارتضا وأراد، وسخرنا للدنيا إن نسيناه وأعرضنا، لقوله تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ...... } [البقرة : 29] ثم قال: "مَنْ وَصَلَ إِلَى وُدِّهِ تعالى، أَنِسَ بِقُرْبِهِ، وَمَنْ تُوَاصَّلَ بِالْوِدَادِ فَقَدِ اصْطَفَاهُ الله مِنْ بَيْنِ الْعِبَادِ، وَكَفَاّهُ كُلَ مَسْأّلَةِ وَزَاّدْ"، (46) ..
أيها القاضي، أما سمعت فقيه العراق الصحابي الصدوق ابن مسعود أو ابن أم عبد رضي الله عنه، حين قال: ( لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ فَهَانُوا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، يَقُولُ: (( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ )) )؛ (47) ..
ثم قال: أيها القاضي، إنما الصوفي الحق، هو الموحد الأصيل، لأنه المتفرد بمحبة الله عز وجل، المتجرد عمن سواه، والصوفية هم المتحابين بالله، من غير قرابة أو نسب، ولا مصلحة أو سبب، إلا الأسباب الآخروية ..
سمعت أن الخليفة الأشهر والفاروق الأشهب رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( (( إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟، قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } [سورة يونس آية 62] )؛ (48) ..
هنا صمت القاضي طويلاً مطأطئ رأسه، ثم قال: أكمل أيها الشيخ الفاضل، بارك الله فيك، وأجرى الخير على لسانك ويدك ..

يتبع ..
---------------------------
(42) رواه أبو داود في "سننه" [ج3/ص: 299/ر:3573]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح" أبي داود" [ر:3573]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج3/ص: 613/ر:1322]؛ بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:1322]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 776/ر:2315]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:1887]؛ وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 101/ر:7012]؛ وصححه العراقي في "تخريج الإحياء" [ج1/ص: 93/ر:173]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(43) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج43/ص: 70/ر:25893]، وقال: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين ..
(44) صححه الألباني في "الإرواء" [ر:2015]؛ وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح ..
(45) رواه الشيخين: البخاري في "صحيحة" [ج2/ص: 7/ر:5063]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج5/ص: 1949/ر:4776]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(46) ورد في "تاريخ بغداد" للخطيب [ج5/ص: 134]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج10/ص: 250]؛ وفي "طبقات الصوفية" للسلمي [ج1/ص: 99]؛ وفي "الكواكب الدرية" للمناوي [ج1/ص: 568] ..
(47) رواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 139/ر:257]؛ وحسنه الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:209]؛ ووراه الحاكم في "المستدرك" [ج2/ص: 481/ر:3658]، وقال: هَذَاَ حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ؛ ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج2/ص: 443]، وقال: صحيح؛ وحكمه: [صحيح] ..
(48) رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 310/ر:3527]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:3527]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 332/ر:537]؛ وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" [3023]؛ وفي "صحيح الموارد" [2126]؛ وحكمه: [صحيح] ..

=========================
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 15-01-2017, 09:42 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

فقال الإمام ابن البغوي، أيها القاضي: أما سؤالك: لماذا أنت، ولما كنت؟، أو لماذا خلقك الله، ولأي شيء خلقك؟ ..
فأقول: خلقنا الله ليسعدنا ويرضينا ويكفينا به سبحانه؛ لا ليطغينا بأنفسنا الأمارة، أو يلهينا بالدنيا الغرارة، فقد كان الله تعالى، كنزاً متخفياً بذاته، فخلق الخلق ليظهر لنا أسمائه في خلقه وصفات ذاته، فعرفناه بنور صنعته، وتجلي ربوبيته، ثم أشهدنا تعالى خفايا محبته، فأحببناه كما أحبنا، فالله خلقنا للعبادة بالطاعة والتفكر، لنعرف حقيقة عبوديته، وهي غاية الأماني بالتدبر، وهو مقصد قوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات : 56]؛ وقد ورد عندنا بالأثر القدسي المأثور، قوله تعالى: ( كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيِاً لا أُعْرَفُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ، فَخَلَقْتُ خَلْقًا لِأُعَرَفْ، فَعَرَّفْتُهُمْ بِي، فَبِيٍ عَرَفُونِي )؛ (49) ..
فقال القاضي أحسنت القول يا شيخ، ولكن ألك أن تخبرني، هل نحن كنا مخيرين بخلقنا عن علم سابق، أم مجبرين عليه بعلم لاحق؟ ..
فقال النوري: إن الله تعالى، قبل خلقنا هذا، خلق أنفس خالدة، قبل أن يلبسها أجساد بائدة، فعرض عليها إرادة معرفته، لنيل محبته، فكشف لها بنوره جانباً من عظمته، فمن قَدِرَ على ذلك النور المتجلي وقَدْرَ الحق وأقبل، خُلق، ومن أعرض مُحق، رحمة فيه، أو بدل خلقاً غير خلق الإنسان، وهذا تأويل قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } [الأعراف : 172]، وزيادة في بيان هذه الآية البينة في الآية المبينة: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [الأحزاب : 72]، أما سمعت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ )؛ (50) ..
فقال القاضي ما تقول إذا بهذا الحديث:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوْقُ: ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِيْ بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِيْنَ يَوْمَاً نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُوْنُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُوْنُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ فَيَنفُخُ فِيْهِ الرٌّوْحَ، وَيَؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ فَوَالله الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُه إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا )؛ (51) ..
فقال النوري الإجابة على ما أوردت يكون فيما ما قاله رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ: ( (( خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ ثُمَّ أَخَذَ الْخَلْقَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَقَالَ: هَؤُلاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلا أُبَالِي، وَهَؤُلاءِ فِي النَّارِ وَلا أُبَالِي ))، قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلَى مَاذَا نَعْمَلُ؟ قَالَ: (( عَلَى مَوَاقِعِ الْقَدَرِ )) )؛ (52) ..
فالنجاة في النهاية من النار وفق الحديث بموافقة القرار الإنساني للقدر الرباني، باتباع مواضع الرضى من الله، ولا يكون ذلك إلا بالتقوى كخيار، لقوله تعالى: { أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } [الزمر : 24] ..
فالجنة للمتقين، والنار وفق الآية أيضاً للظالمين، لقوله تعالى: { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } [مريم : 72]
ومن ينتهي إلى النار هو من يسري عليه قوله تعالى: { وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } [النمل : 50]، فمكرهم لخبث نبت في أنفسهم ساءت به خاتمتهم، ومن طابت نفسه بالتقوى، طابت له الجنة، لقوله تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } [الزمر : 73]
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 15-01-2017, 09:42 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

فقال القاضي: صدقت، ولكن أخبرني أيها الشيخ الفاضل، ما دام خلق الرحمن كان لمن شهد بربوبية الحق قبل الخلق، فلماذا ليس كل من خُلق مصيره إلى الجنة؟! ..
فقال النوري: السبب لأن الإنسان مخير بالقرار مقهور بالأقدار، والكل يُخْلَقُ على فطرة الإيمان موحداً، حتى تغويه الشياطين، فتحلل له ما حرم الله عليه، وتخرجه من التوحيد إلى الإشراك، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول قال الله تعالى: ( َإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا )؛ (53) ..
فيكون الخيار بين قرار الإنسان وأقدار الإيمان، فإن غلبت علبه الأقدار، وتوافق معها القرار نجا من سوء العاقبة وإلا هلك، وإن نجا بحسن قراره اتباع خير أقداره نال عز الدارين، أما قرأت قول الله تعالى: { وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [إبراهيم : 22] ..
وهو مصير من يعشى عن ذكر الله بالمشاغل الدنيوية الفانية وملهياتها البالية، لقوله تعالى: { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف : 36]، ومقارنة الشيطان والإعراض عن الحق، لا يورث إلى ضنك العيش، وسوء المحشر يوم القيامة، وبيان ذلك في قوله تعالى: { َوَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [طه : 124]، وكل هذا خيار الإنسان وقراره، لأن الله تعالى بعد العرض لأمانته وهي إرادة الخلق في الحق، يقول: { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [البقرة : 38]، أيها القاضي إن الدنيا دار بلاء وشقاء، وليست دار سعادة وبقاء، ومن اجتهد للحق والخير وجاهد الضلال واستقام على الحلال، دون مقاربة الحرام، وأحسن البلاء، فذهب عنه الشقاء، وهداه الله إلى سبل الخير والنجاة، وأبعده عن الشقاء، لقوله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت : 69] ..
أما سمعت أن الله تعالى يقول على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، بالحديث القدسي: ( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )؛ (54) ..
هنا قال القاضي: أحسنت القول والبيان أحسن الله إليك، فلم يبقى لدي أي تساؤل فإن شئت أكمل وإن شئت فلا، فحالك ومقامك لم يعد علي خفياً ..
--------------------------
(49) رواه مرفوعا الكناني في "تنزيه الشريعة" [ج1/ص: 144/ر:44]؛ ورواه العجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 132/ر:2016]، ورواه السخاوي مرفوعا في "المقاصد الحسنة" [ج1/ص: 327/ر:838]، والسيوطي في "الدرر المنتثرة" [ج1/ص: 163/ر:330]، ورواه الملا القاري في "الأسرار المرفوعة" برقم: [353]، وقال فيه: قال ابن تيمية: إنه ليس من كلام النبي صلى اللَّه عليه وسلم، ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، وتبعه الزركشي وشيخنا الْعَسْقَلَانِيُّ، لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56]، أَيْ لِيَعْرِفُونِ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ..
(50) رواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 26/ر:2642]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2642]؛ وفي "الصحيحة" [ر:1076]؛ وفي "النصيحة" [ر:254]؛ وفي "تخريج المصابيح" [ر:97]؛ وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:1733]؛ ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1764]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 368/ر:6606]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج10/ص: 128]؛ ورواه ابن حبان في "صحيحة" [ج14/ص: 43/ر:6169]؛ والحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 84/ر:83]، قال: هذا حديث صحيح، قد تداوله الأئمة، ووافقه الذهبي في "التلخيص" [ج1/ص: 30]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(51) رواه الشيخان: البخاري في "صحيحة" [ج3/: 1174ر:3036]؛ ومسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 406/ر:6665]؛ وراه أبو داود في "سننه" [ج3/ص: 640/ر:4708]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4708]؛ ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 388/ر:2137]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2137]؛ ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 64/ر:76]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:61]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 632/ر:3617]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق أحمد شاكر في "المسند" [ج6/ص: 72]؛ وحكمه: [متفق عليه] ..
(52) رواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 203/ر:17207]؛ وروا ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 50/ر:338]؛ ورواه الحكام في "المستدرك" [ج1/ص: 85/ر:84]، وقال: هذا حديث صحيح؛ وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج7/ص: 189]: رجاله ثقات؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:4868]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(53) رواه مسلم في "صحيحة" [ج4/ص: 2197/ر:2865]؛ وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج2/ص: 425/ر:654]؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:2637]، وحكمه: [صحيح] ..
(54) رواه مسلم في "صحيح" [ج4/ص: 1994/ر:2577]؛ ورواه البخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 247/ر:490]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:377]، وحكمه: [صحيح] ..

===================
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #26  
قديم يوم أمس, 04:29 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

فقال النوري بل أتابع عله يكون لك بها منفعة، فأما قولك: لأي شيء خلقي؟، فأقول: ما أراد الله بخلقي إلا إكرامي، وإظهار عزته بإعتزازي به، لقوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ..... وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [الإسراء : 70]؛ وجعل الله سبحانه أكرمنا من هو أتقانا، لقوله تعالى: { .... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات : 13] إن كنت عبداً مؤمن كما يحب ويرتضي، لقوله: { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [المنافقون : 8]، ومكرمته لي بصفائي له وأنا عبد فقير، واصطفائه لي وداً ومكرمة منه وهو رب قدير، وعزتي بإقامة قَدْرِي بقدره، والعصمة بقدره، بفناء قدري وبقاء قدره، وهذا غاية التكريم، فالله أكرمنا بأن جعل آنية ربوبيته في أرضه قلوب عباده الصالحين؛ بلغني أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ( إِنَّ لِلَّهِ آنِيَةً مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، وَآنِيَةُ رَبِّكُمْ قُلُوبُ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَأَحَبُّهَا إِلَيْهِ أَلْيَنُهَا وَأَرَقُّهَا )؛ (55) ..
وأما قولك: أين أنت من الله وأين الله منك؟، ففيه أقول: هو مني حيث أنا منه، وأنا منه حيث شاء لي أن أكون، عملاً بقوله تعالى: { َهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [الحديد : 4] ..
فقال القاضي: اخبرني كيف هو معك ومعنا؟، في قوله: { َهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ }؛ قال: هو معنا كيف ما كنا معه، فإن كنا معه بالأقدار على قدرنا بالإقرار، كان معا بالقرار على قدره، لقوله تعالى: { مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً } [النساء : 147]، وان كنا معه بالطاعة كان معنا بالعون والاطاعة بتلبية الدعاء، لقوله تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [غافر : 60]، وكان معنا بالهدى لما فيه الشفاعة ورحمة لقلوب المؤمنين وشفاء، وإن كنا معه بالمعرفة والاستقامة، كان معنا بالأمان والإحسان، وإن كنا معه بالغفلة كان معنا بمشيئة الأقدار لما فيه خير وصالح العبد المختار، وان كنا معه بالمعصية كان معنا بالمهلة والإحسان حتى الإذعان، وإلا كان ما كان فيما هو كيف كائن في صالح الإنسان، وان كنا معه بالتوبة كان معنا بالقبول والمغفرة والعفو، وان كنا بالترك كان معنا بالعقاب حتى نرى الصواب، أو شدد علينا العذاب حتى يكون لنا فيه المآب، لقوله تعالى: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [السجدة : 21] ..
قال القاضي: قد صدقت، ولكن أخبرني يا شيخ، أين هو مني؟، فقال أخبرني أين أنت منه؟ أعلمك أين هو منك، فأنت كنت تدعي أنك قاضي القضاة وقاضي القضاة هو الحق سبحانه الذي يقضي ولا يقضى عليه، فمن نازع الله في عظمته وكبريائه قسمة الله من رحمته، ومن ابتغى العزة بغير الله أزله الله بزلة غيره، لقوله تعالى: { وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً [81] كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } [مريم : 82]، فإن الله تعالى يقول في حديثه القدسي: ( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ )؛ (56) ..
فكن مع الله حيث يرضا الله، يكن الله معك حيث تحب وترضا، وذلك هو الفوز العظيم، لقوله تعالى: { قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [المائدة : 119]، فتأثر القاضي إِسْمَاعِيلُ بقوله وعاد وبَكَى بُكَاءً طَوِيلاً، [قبل إتمام أحداث الحادثة نريد أن ننوه، بأنه قد يقول قائل، إن القول الذي سبق بكاء القاضي الطويل، ليس فيه من الشدة ما يبعث البكاء؟!، وعندها نقول: لقد كان القاضي من أهل الورع والتقوى، والميل للأخرة، وهو حال أكثر أهل هذه الحقبة الخيرية، وكان لهؤلاء صفاء مع الله نفتقر له في أيامنا هذه، لذلك حرك وعظ المحتسب أمير القلوب النوري وجدان القاضي الإيماني، وجرى عليه قوله تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } [قـ : 37]، ولا يكون ذلك إلا لمن كان إيمانه كامن] ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #27  
قديم يوم أمس, 04:31 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

ثم تابع القاضي، وقال: بقي في نفسي شيء فهل تجيبني عليه؟؛ فقال الإمام النوري أفعل؛ فقال عندما سألتك بأسئلتي الأخيرة، فإنك لم تجبني عليها إلا بعد أطرقت رأسك برهة من وقت انشغلت بها عن الإجابة، وكان يسعك أن تجيب دون هذا الإطراق والمشغلة، فلما فعلت ذلك؟؛ فتبسم الإمام النوري، ثم قال: نحن أهل عمل لا أهل علم، نعمل بما علمنا، ولا نعلم ما لا نعمل، فأعز الأشياء بزماننا: "عَالِمُ يَعْمَلُ بِعِلّمِهِ، وَعَاّرِفُ يَنْطُقُ عَنْ حَقِيقَتهٍ"؛ (57)؛ أيها القاضي لم أسارع بالإجابة، لأنك سألتني بأسئلة لا أستحضر لها جواباً، فَسَأّلْتُ قَلْبِيِ، فَأخْبَرَنِيِ عَنْ رَبْيِ، فأجَبْتُ ..
فتعجب القاضي من قول ابن البغوي هذا، وقال: أهو وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!، فأجاب النوري لا، ليس بالوحي، إنما أباح الله العلم لعامة من أراد العلم، وخص بمعرفته من اصطفى من أولياءه وعارفيه المخلصين من أهل الفهم، وصافى بمكاشفة الحق الأتقياء من أصفياءه من أهل الحِكَمْ والحِلْمِ؛ وهم أهل الذكر، لقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } [الأنبياء : 7]، فلا يعرف وحي الأنبياء، إلا أهل الذكر الأصفياء الربانين الملهمين، فقد سمعت أن رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ، قَالَ: (‏ ‏لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ ‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ،‏ ‏رِجَالٌ يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ ‏ ‏فَعُمَرُ )؛(58)؛ ونحن إن شاء الله على أثر الفاروق منهم، فمن عرف الله حقاً، وجند نفسه لنصرة الحق، فَقُهَ الحق المنزل على نبي الحق صلى الله عليه وسلم؛ أيها القاضي نحن نستلهم العلم مما أوحاه الله لرسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، من القرآن المكرم، فلما طهرت قلوبنا بالحق، وصفت لله تعالى الحق، فُتِحَتْ أقفال ومغاليق قلوبنا، فلما تدبرنا آيات كتاب الله انكشفت لنا معاني آياته وأوجه مقاصده، "فَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللهِ بالسُلُوّكِ، وَاِسْتَقَاّمَ عَلّىَ أّحْسَنِ الأحْوَالِ، فَهِمَ عَنْ الله كُلَ شِيِء، وَفَهِمَ كُلَ شَيِء" ..
أيها القاضي: "إِنَ أَرْبَاّبَ القُلُوّبِ، وَمَنْ كَاّنَ قَلْبُهُ حَاّضِرَاً بَيِنَ يَدِيِ الله، وَيَكُوّنُ دَاّئِمَ الذِكْرِ لله، فَيِرَىّ الأَشْيَاءَ كُلْهَا بِالله، وَلله، وَمِنَ الله وَإِلَىّ الله"، (59)، ولا يكون ذلك الحال، إلا لعبد مجموع على الله، لا تنصرف منه جارحة، إلى من سواه، فعند ذلك تتجلى في قلبه حقائق الفهم عن الله، ودقائق العلم بلا إله إلا الله، في جميع ما يسمع وجميع ما يرى، من الأشياء، ومصداق ذلك قوله تعالى: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } [الإسراء : 36]
هنا نظر القاضي في الإمام النوري طويلاً، ثم قام من مجلسه معه فقبل رأس الإمام النوري، وبعدها أن استأذن منه، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، إِنْ كَانَ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ زَنَادِقَةً، فَلَيْسَ عَلَى الأَرْضِ مُوَحِّدٌ؛ فَأَمَرَ الخليفة بِتَخْلِيَتِهِمْ ..
وهذه المحنة وردت في العديد من كتب العلماء (60)، ورواها مختزلة، نقاد وحفاظ أمثال القاضي البيهقي والإمام الذهبي، وأبو نعيم الأصفهاني ..
وقيل أن غلام الخليل لما خلص من مأزقه المهلك وتحولت محنة شيخه إلى منحة إلهية، وانشهر عاد إليه تائباً، فقبله النوري، وعلمه أصول فهم الحديث ومعرفته، فكتب كتابه الشهير "شرح السنة"، الذي قال غلام الخليل في مطلعه: ( اعلموا أن الإسلام هو السنة، وأن السنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، ﻓﻤﻦ اﻟﺴﻨﺔ ﻟﺰﻭﻡ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، ﻓﻤﻦ ﺭﻏﺐ ﻋﻦ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻭﻓﺎﺭﻗﻬﺎ، ﻓﻘﺪ ﺧﻠﻊ ﺭﺑﻘﺔ اﻹﺳﻼﻡ ﻣﻦ ﻋﻨﻘﻪ، وﻛﺎﻥ ﺿﺎﻻ ﻣﻀﻼ، فقد قال ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎﺏ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ: (( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لا عُذْرَ لأَحَدٍ بَعْدَ السُّنَّةِ فِي ضَلالَةٍ رَكِبَهَا حَسِبَهَا هُدًى، وَلا فِي هُدًى تَرَكَهُ حَسِبَهُ ضَلالَةً، فَقَدْ بُيِّنَتِ الأُمُورُ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ، وَانْقَطَعَ الْعُذْرُ ))؛(61) )، (62)؛ ولكن الإمام النوري كره الشهرة بعد المحنة، وعودة مريده المشهور إليه فيزيد من شهرته شهرة، فترك بغداد إلى الرقة حيث لا صيت ولا شهرة له حتى نسيه الناس، ومات الخليفة المعتمد، فعاد إلى بغداد، ليبدأ من جديد، وكأن شيء لم يكن ..
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
  #28  
قديم يوم أمس, 04:32 PM
الصورة الرمزية حجة الإسلام
حجة الإسلام حجة الإسلام غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 1,152
افتراضي

وأصبح الإمام النوري رَجُلًا قَلِيلَ الْفُضُولِ لَا يَسْأَلُ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ، وَلَا يُفَتِّشُ عَمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَكَانَ إذَا رَأَى مُنْكَرًا غَيَّرَهُ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ تَلَفُهُ، لِذَاّ عُرِفَ بِالمُحْتَسِبْ ..
إلا أن حادثة جديدة حصلت مع الإمام النوري غيرت كل شيء، إلى الشهرة من جديد، فَقد نَزَلَ النوري ذَاتَ يَوْمٍ إلَى مَشْرَعَةٍ تُعْرَفُ بِمَشْرَعَةِ الْفَحَّامِينَ يَتَطَهَّرُ لِلصَّلَاةِ إذْ رَأَى زَوْرَقًا فِيهِ ثَلَاثُونَ دَنًّا مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِالْقَارِ لُطْفٌ، فَقَرَأَهُ، وَأَنْكَرَهُ [ أي وجد في نفسه منه]؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِي التِّجَارَاتِ، وَلَا فِي الْبُيُوعِ شَيْئًا يُعَبِّرُ عَنْهُ لُطْفٌ، فَقَالَ لِلْمَلَّاحِ: أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ الدِّنَانُ قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ عَلَيْك امْضِ لِشُغْلِك، فَلَمَّا سَمِعَ النُّورِيُّ مِنْ الْمَلَّاحِ هَذَا الْقَوْلَ ازْدَادَ تَعَطُّشًا إلَى مَعْرِفَتِهِ، فَقَالَ: لَهُ أُحِبُّ أَنْ تُخْبِرَنِي أَيَّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الدِّنَانِ، فَقَالَ الْمَلَّاحُ: أَنْتَ وَاَللَّهِ صُوفِيٌّ فُضُولِيٌّ، هَذَا خَمْرٌ لِلْمُعْتَضِدِ [يقصد الخليفة العباسي المعتضد بالله] يُرِيدُ أَنْ يُتَمِّمَ بِهِ مَجْلِسَهُ [هنا كذب الملاح ليصرف النوري، وهي في الحقيقة دنان مهربة لمكان لهو ومجون، ساعد على وصوله بعض أعوان وحاشية الخليفة الفاسدين مقابل المال]، فَقَالَ النُّورِيُّ: هَذَا خَمْرٌ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ أُرِيدُ أَنْ تُعْطِينِي الْمُدْرَى، فَاغْتَاظَ الْمَلَّاحُ عَلَيْهِ، وَقَالَ لِغُلَامِهِ أَعْطِهِ الْمُدْرَى حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ فَلَمَّا صَارَتْ الْمُدْرَى فِي يَدِهِ صَعِدَ إلَى الزَّوْرَقِ فَلَمْ يَزَلْ يُكَسِّرُهَا دَنًّا دَنًّا حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا إلَّا دَنًّا، وَاحِدًا، [فعل المحتسب النوري ذلك وهو يعلم أنها ليست للمعتضد، إنما نسبت له من حاشيته، ليسهل أمر وصولها صاحبها بغطاء من سلطة أعوان الخليفة الفاسدين]؛ وهنا بعد أن كسرت الدنان، جاء من غطا على هذا الجرم وهو صَاحِبُ الْجِسْرِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُوسَى بْنُ أَفْلَحَ فَقَبَضَ عَلَى النُّورِيِّ، وَأَشْخَصَهُ إلَى حَضْرَةِ الْمُعْتَضِدِ، [وكانت التهمة أنه تدخل في شأن ليس من سلطته، إنما من سلطة محتسب الخليف المعتضد]، وَكَانَ الْمُعْتَضِدُ سَيْفُهُ قَبْلَ كَلَامِهِ، وَلَمْ يَشُكَّ النَّاسُ أَنَّهُ سَيَقْتُلُهُ، ويذهب معه سره، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فَدَخَلْت عَلَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ حَدِيدٍ، وَبِيَدِهِ عَمُودٌ يُقَلِّبُهُ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْت: مُحْتَسِبٌ قَالَ مَنْ وَلَّاك الْحِسْبَةَ؟، قُلْت الَّذِي وَلَّاك الْإِمَامَةَ، وَلَّانِي الْحِسْبَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ فَأَطْرَقَ إلَى الْأَرْضِ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَيَّ، وَقَالَ، وَمَا الَّذِي حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت؟ ..
وكان يعني الخليفة أي من خولك لهذا الفعل وله أهله عندنا، أي لماذا لم تكل هذا الأمر المنكر لمن اختص به ..
فَقُلْت شَفَقَةً مِنِّي عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، [وهي كناية عن إشارة مبطنة بوجود فساد في الحاشية]، إذْ بَسَطْت يَدِي إلَى صَرْفِ مَكْرُوهٍ عَنْك فَقَصُرَتْ عَنْهُ ..
قَالَ: فَأَطْرَقَ الْمُعْتَضِدِ مُفَكِّرًا مِنْ كَلَامِي ثُمَّ رَفَعَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: كَيْفَ تَخَلَّصَ هَذَا الدَّنُّ الْوَاحِدُ مِنْ جُمْلَةِ الدِّنَانِ؟، فَقُلْت فِي تَخَلُّصُهُ عِلَّةٌ أُخْبِرُ بِهَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنْ أَذِنَ لِي فَقَالَ: أَخْبِرْنِي، فَقُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي أَقْدَمْت عَلَى الدِّنَانِ بِمُطَالَبَةِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِذَلِكَ، وَعَمَّ قَلْبِي شَاهِدُ الْإِجْلَالِ لِلْحَقِّ وَخَوْفِ الْمُطَالَبَةِ، فَغَابَتْ هَيْبَةُ الْخَلْقِ عَنِّي فَأَقْدَمْت عَلَيْهِ بِالْحَالِ الْأَوَّلِ إلَى أَنْ صِرْت إلَى هَذَا الدَّنِّ، فَجَزِعَتْ نَفْسِي كَثِيرًا عَلَى أَنِّي قَدْ أَقْدَمْت عَلَى مِثْلِك فَمُنِعَتْ وَلَوْ أَقْدَمْت بِالْحَالِ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ مِلْءُ الدُّنْيَا دِنَانًا لَكَسَّرْتهَا، وَلَمْ أُبَالِ، فَقَالَ الْمُعْتَضِدُ اذْهَبْ فَقَدْ أَطْلَقْنَا يَدَك غَيِّرْ مَا أَحْبَبْت أَنْ تُغَيِّرَهُ مِنْ الْمُنْكَرِ، قَالَ: أَبُو الْحَسَنِ فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَبْغَضُ التَّغْيِيرَ؛ لِأَنِّي كُنْت أُغَيِّرُ عَنْ اللَّهِ، وَأَنَا الْآنَ أُغَيِّرُ شُرْطِيًّا، فَقَالَ الْمُعْتَضِدُ: فمَا حَاجَتُك، قُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَأْمُرُ بِإِخْرَاجِي سَالِمًا [أي مؤمن عليه من كيد أعوانه الفاسدين] فَأَمَرَ لَهُ بِذَلِكَ، وَخَرَجَ إلَى الْبَصْرَةِ فَكَانَ أَكْثَرَ أَيَّامِهِ بِهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ حَاجَةٍ يَسْأَلُهَا الْمُعْتَضِدُ فَأَقَامَ بِالْبَصْرَةِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمُعْتَضِدُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَغْدَادَ؛ نقول خروجه إلى البصرة لم يكن خوفاً من شخص الخليفة المعتضد، إنما هروباً من الشهرة وتولي سلطة دنيوية، والخوف من كيد أعوان المعتضد أصحاب السلطة الفاسدين، بالبطش بأصحابه الصوفية وأعوانه (63) ..
------------------------
(55) رواه الطبراني في "مسند الشاميين" [ج2/ص: 19/ر:840]؛ وأورده المناوي في "فيض القدير" [ج2/ص: 629/ر:5766]؛ والأمير الصنعاني في "التنوير" [ج4/ص: 63/ر:2359]؛ والعجلوني في "كشف الخفاء" [ج2/ص: 196/ر:2256]؛ والعراقي في "تخريج الإحياء" [ج4/ص: 1541ر:2368]، وقال: رواه الطبراني، وإسناده جيد؛ وورد في "الإحياء" للغزالي [ج3/ص: 15]؛ وفي "روح المعاني" للألوسي [ج8/ص: 522] وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:2163]؛ وقال في "الصحيحة" [ر:1691]: إسناده قوي ..
(56) رواه مسلم في "صحيحة" [ج4/ث: 2023/ر:2620]؛ ورواه أبو داود في "سننه" [ج6/ص: 189/ر:4091]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4090]؛ ووراه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 493/ر:4175]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:3384]؛ ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج2/ص: 490/ر:7335]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الأرناؤوط في "مسند أحمد" [ج2/ص: 248]؛ ورواه بلفظ آخر: الشيخان: مسلم في "صحيحة" [ج16/ص: 389/ر:6623]؛ والبخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 157/ر:563]، بإسناد صحيح؛ بتحقيق الألباني في "صحيح الأدب" [ر:429]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(57) ورد في "الطبقات الكبرى" للشعراني [ج1/ص: 127]؛ وفي "الكواكب الدرية" للمناوي [ج1/ص: 567]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 19]؛ وفي "الاستقامة" لابن تيمية [ج1/ص: 99] ..
(58) رواه البخاري في "صحيحة" [ج3/ص: 1349/ر:3282]؛ وحكمه: [صحيح] ..
(59) ورد في "اللمع" للطوسي [ج1/ص: 495] ..
(60) ورد في "الإبانة الكبرى" لابن بطة [ج1/ص: 162]، وفي "السنة" للمروزي [ج1/ص: 95]؛ وفي "الفقيه والمتفقه" للخطيب [ج1/ص: 386]؛ وفي "بيان المحجة" للتيمي [ج2/ص: 444] ..
(61) ورد في "شرح السنة" للباهلي [ص: 36] ..
(62) انظر: في "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة [ج1/ص: 490]؛ وفي "سراج الملوك" للطروشي [ج1/ص: 74]؛ وفي "تاريخ بغداد" للخطيب [ج5/ص: 341]؛ وفي "ذيل تاريخ بغداد" لابن النجار [ج5/ص: 136و137]؛ وفي "التذكرة الحمدونية" لابن حمدون [ج1/ص: 58]؛ وفي "تدريب المدارك" لعياض [ج1/ص: 308]؛ وفي "الرسالة القشيرية" للقشيري [ج1/ص: 97]؛ وفي "حلية الأولياء" لأبو نعيم [ج10/ص: 250] ؛ وفي "الموافقات" للشاطبي [ج3/ص: 93]؛ في "سير الأعلام" للذهبي [ج14/ص: 71]؛ وفي "روح البيان" لحقي البروسوي [ج8/ص: 67] ؛ وفي "شعب الإيمان" للبيهقي [ج5/ص: 144] ؛ وفي "الكواكب الدرية" للمناوي [ج1/ص: 523]؛ وفي "الحدائق الوردي" للخاني [ج1/ص: 175] ..
(63) انظر: في "مفاتيح الغيب" لإمام لفخر الرازي [ج10/ص: 457]؛ وفي "معالم القربة" لابن الأخوة [ج1/ص: 19]؛ وفي "البداية والنهاية" لابن كثير [ج11/ص: 89]؛ وفي "سير الأعلام" للذهبي [ج11/ص: 76]؛ وفي "تاريخ دمشق" لابن عساكر [ج71/ص: 211]؛ وفي "تاريخ الإسلام" للذهبي [ج5/ص: 243] ..
======================================
__________________
يقول الإمام مالك رضي الله عنه: ( ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب )؛ ورد في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض [ج1/ص: 205] ..
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 08:47 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.1
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » شبكة عرب فور هوست


Security By © : Rg Security v5.3
 

::+: مجموعة ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::

::+: ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::    
تابعونا عبر تويتر