::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::
  التسجيل ::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+:: ::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::  
::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+::

العودة   منتدى الأزهريين > الزهد والرقائق
   

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #31  
قديم 25-01-2011, 06:26 PM
محمد عيدروس محمد عيدروس غير متواجد حالياً
مشارك نشيط
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 199
افتراضي

بحث جميل، جزاكم الله خيرا سيدي الازهري
رد مع اقتباس
  #32  
قديم 25-01-2011, 08:49 PM
الصورة الرمزية بيبرس
بيبرس بيبرس غير متواجد حالياً
ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
الدولة: الخليج
المشاركات: 714
افتراضي

رضي الله عنكم سيدي الأزهري

ونفع بكم الإسلام والمسلمين
رد مع اقتباس
  #33  
قديم 26-01-2011, 02:52 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,771
افتراضي

الخبر الثالث: (الجنيد يصف الشافعي بأنه من المريدين الناطقين)

قال الإمام البيهقي في "مناقب الشافعي" (2/178) :

(( وذكر أبو نعيم الأصبهاني في كتابه أن الصاحب ابن عباد ذكر في تصنيف له في مناقب الشافعي رحمه الله أنه سمع جعفر الصوفي يقول : سمعت الجنيد يقول : كان الشافعي من المريدين الناطقين بلسان الحق في الدين .. )) اهـ.

والصاحب هو الوزير المشهور إسماعيل بن عباد الطالقاني صاحب فضائل على اعتزال وتشيع، وجعفر هو ابن محمد بن نصير الخلدي، وثقه الخطيب، والجنيد إمام معروف.

ففي هذا الخبر شهادة الجنيد للشافعي أنه من المريدين الناطقين، أي أنه من أهل التصوف السالكين والعارفين، وهذه الشهادة صادرة من أعرف الناس به، لأن الجنيد تلميذ طبقة أبي ثور الذي هو تلميذ الشافعي، فلو كان الشافعي مباينا لطريق أهل التصوف فما الذي أحوج الجنيد البغدادي إلى هذا الكلام في حق الشافعي؟

فإن قيل إن الصاحب بن عباد مبتدع.
قلنا: أما أنتم فلا يسعكم رد رواية المبتدع إذا كان صادقا، لأنكم تذهبون في رواية المبتدع مذهب أكثر أهل الحديث، وهم يقبلون رواية المبتدع في غير ما يوافق بدعته ـ كمسألتنا ـ وعلى هذا المنوال جرى البخاري وغيره في روايتهم عن مثل عباد بن يعقوب الرافضي وعمران بن حطان الخارجي، وإنما رد رواية المبتدع أهل المدينة وأنتم لا تقولون بقولهم فلزمكم قبول هذا الخبر، وهو أحسن من أخبار كثيرة تحتجون بها تقدمت.
ويقال لهم كذلك: ألستم ترون الصوفي مبتدعا ؟ وقد قبلتم أخبار مثل إبراهيم بن المولد الصوفي وأبي زرعة الصغير الصوفي وأبي عبد الرحمن السلمي والبيهقي والحاكم وكلهم مبتدعة عندكم لأنهم صوفية ! فكيف تحتجون بهؤلاء وتقبلون أخبارهم ومهم مبتدعة عندكم ثم لا تقبلون خبر الصاحب ابن عباد لأنه مبتدع؟!!؟ فيلزمكم قبول خبره إذا كان صدوقا، وقد اتفقت كلمة المنصفين من أهل التأريخ على فضله وجلالة قدره في الآداب والعلوم، واعتبروا ما يضاد ذلك مكذوبا عليه، ومن شاء رجع إلى ترجمته في "التدوين" للإمام الرافعي.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله

آخر تعديل بواسطة الأزهري ، 07-09-2011 الساعة 12:24 PM
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 29-01-2011, 11:31 AM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,771
افتراضي

مقدمة الخبر الرابع :

لا بد لهذا الخبر من مقدمة تتعلق بالتعريف برجل مهم، ربطته بالشافعي علاقة حميمة وطيدة في الحجاز في مجالس الأئمة كإمام دار الهجرة مالك بن أنس، وفي مصر عندما هاجر إليها الشافعي، هذا الرجل هو الإمام الزاهد الصوفي العارف بالله إدريس بن يحيى الخولاني.

العارف بالله زاهد مصر وصوفيها
أبو عمرو إدريس بن يحيى المعافري الأصل
الخولاني الدار، الزاهد المالكي الصوفي المصري
الصدوق الثقة المتوفى سنة 211هـ



هذا العارف ترجم له الحافظ الكبير الصوفي أبو نعيم الأصبهاني في طبقات الصوفية من كتابه "حلية الأولياء" فقال (8 / 319):

((ومنهم العاقل الرباني إدريس بن يحيى الخولاني.

حدثنا محمد بن علي ثنا أحمد بن علي بن أبي الصقر بمصر قال سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: ما رأيت في الصوفية عاقلا إلا إدريس الخولاني.

حدثنا علي بن هارون ثنا موسى بن هارون الحافظ قال سمعت ابن زنجوية فيما أرى يذكر أن إدريس بن يحيى الخولاني كان بمصر كبشر بن الحارث عندنا ببغداد قال موسى ولا أظنهم كانوا يقدمون عليه أحدا .. )) اهـ.

فأبو نعيم يعده من الصوفية ويذكر في الدلالة على تصوفه روايتين الأولى منهما أصرح شيء في ذلك، وهذان السندان صحيحان على طريقة أكثر أهل الحديث، وإليك بيان ذلك:

رجال السند الأول:

أما (محمد بن علي) فهو الحافظ والمحدث الكبير الجوال مسند وقته: محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم أبو بكر ابن المقرئ، وقد أكثر عنه الحفاظ أبو نعيم فتارة يقول محمد بن علي فينسبه جده وتارة يقول محمد بن علي بن عاصم وتارة محمد بن إبراهيم بن علي يلون اسمه وهو هو ابن المقرئ.

وشيخه (أحمد بن علي بن أبي الصقر) صوابه ابن أبي الصغير، وهو أبو علي أحمد بن علي بن الحسن بن شعيب بن أبي الصغير ـ واسمه زياد ـ الصغيري المدائني المصري حدث عنه الحفاظ منهم ابن عدي واعتمده كثيرا واعتمده في الجرح والتعديل ورورى عنه ابن حبان خرج له ابن حبان في صحيحه فهو ثقة عنده، ذكره الذهبي في الميزان قال:

((أحمد بن علي بن الحسين المدائني حدث عن محمد بن البرقي بتاريخه قال بن يونس لم يكن بذاك انتهى )) اهـ وهذا الكلام من الذهبي فيه اختصار مخل وقد كمله الحافظ.

قال الحافظ في لسان الميزان:
((وبقية كلام بن يونس وكان ذا دعابة وكان جوادا كريما حسن الحفظ مات في ربيع الأول سنة سبع وعشرين وثلاث مائة.
وقال مسلمة بن قاسم: يكنى أبا علي ويعرف بابن الحسين بن أبي الصغير واسم جد أبيه شعيب بن زياد وكان أحمد بن علي عيارا من الشطار كثير المجون ولا نحب أن يكتب مثله شيء مات في صفر سنة سبع وعشرين وثلاث ومائة.
وقال بن حبان في صحيحه أخبرنا أحمد بن الحسين بن أبي الصغير بمصر ثنا إبراهيم بن سعيد حديثا فكأنه نسبه إلى جده ومقتضاه أنه ثقة.
قلت وذكر عبد الغني في المشتبه أنه حدث عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي بكتاب التاريخ وروى هو أيضا عن يونس بن عبد الأعلى والمزني ويزيد بن سنان والربيع وبكار وبحر بن نصر وغيرهم وروى عنه أيضا بن المقرئ وأبو الشيخ وأبو الحسين بن المظفر والطبراني وآخرون
)) اهـ.

فالرجل ثقة وإنما عابوا عليه الدعابة فقط.

وشيخه (يونس بن عبد الأعلى) ثقة إمام حافظ، فثبت بذلك أن إدريس بن يحيى صوفي.

رجال السند الثاني:

أما (علي بن هارون) فهو ابن محمد بن أحمد أبو الحسن الحربي السمسار تلميذ موسى بن هارون الحمال الحافظ وشيخ أبي نعيم الأصفهاني، ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد وقال: "وكان صالح الأمر إن شاء الله".

وأما (موسى بن هارون) فهو الحمال الحافظ الثقة المشهور.

وأما (ابن زنجويه) فهو محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادى ، أبو بكر الغزال جار أحمد بن حنبل وصاحبه، وهو حافظ ثقة.

فثبت أن إدريس بن يحيى عند أهل مصر كبشر بن الحارث الحافي في العراق، وهو كبير صوفية مصر.

قال الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي عن إدريس بن يحيى كما في "الجرح والتعديل" :
((نا الفضل بن يعقوب الرخامي نا إدريس بن يحيى الخولاني ـ وكان يقال إنه من الابدال ـ وروى عنه أبو الربيع بن أخى رشدين.
سئل أبو زرعة عنه فقال: رجل صالح من أفاضل المسلمين.
قال أبو محمد: وهو صدوق))اهـ.
قال الفقير الأزهري: أبو زرعة وأبو حاتم إمامان في هذا الشأن ثقتان، والفضل بن يعقوب الرخامي هذا الذي ذكر أن إدريس بن يحيى من الأبدال هو الثقة الحافظ أحد شيوخ البخاري.

وقال الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي :
((أنا علي بن أحمد بن ابراهيم البزاز بالبصرة نا الحسن بن محمد ابن عثمان الفسوي نا يعقوب بن سفيان قال ذاكرني زيد بن بشر .. فأخبرني أبو عمرو إدريس بن يحيى الخولاني وكنا نقول انه من الأبدال بل كان كذلك))

وقال عنه الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ابن القيسراني في "أطراف الغرائب والأفراد" (4 / 45) : ((كان من عباد أهل مصر))

وعلى هذا وبناء عليه ترجمه الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء قائلا (10 / 165) :
((إدريس بن يحيى الإمام القدوة الزاهد، شيخ مصر، أبو عمرو الأموي مولاهم المصري، المعروف بالخولاني، أحد الأبدال، كان يشبه ببشر الحافي في فضله وتألهه.
روى عن: حيوة بن شريح، ورجاء بن أبي عطاء، وبكر بن مضر وحرملة الكبير.
وعنه: أبو الطاهر بن السرح، ويونس بن عبد الأعلى، وسعيد بن أسد بن موسى، وحرملة بن يحيى.
قال يونس: ما رأيت في الصوفية عاقلا سواه.
وقال أبو عمر الكندي: كان أفضل أهل زمانه، وأعظمهم قدرا.
وقال أبو زرعة: صدوق صالح من أفاضل المسلمين.
قلت: وصحح له الحاكم.
توفي سنة إحدى عشرة ومئتين
))اهـ.

إذا تقرر هذا وأن ابا عمرو إدريس بن يحيى الخولاني المصري الزاهد كان شيخ الصوفية في مصر فاعلم أيضا أنه كان مالكي المذهب أخذ عن الإمام مالك، وعند مالك نرجح أن يكون اجتماع الشافعي به أول مرة.

قال الإمام القاضي عياض في "ترتيب المدارك" في تراجم علماء المالكية :
((أبو عمر [قال الأزهري: الصواب أبو عمرو] إدريس بن يحيى مولى بني أمية يعرف بالخولاني. من أصحاب مالك توفي في أول سنة إحدى عشرة ومائتين وغلبت عليه العبادة)) اهـ.


إذا ثبت هذا فنتكلم على القصة التي جرت بينه وبين الشافعي.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله

آخر تعديل بواسطة الأزهري ، 29-01-2011 الساعة 11:39 AM
رد مع اقتباس
  #35  
قديم 29-01-2011, 04:18 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,771
افتراضي

الخبر الرابع: (الخولاني يرشد الشافعي، والشافعي يسأله الدعاء)

أخرج الحافظ أبو نعيم الإصفهاني في حلية الأولياء - (9 / 135) قال:

((حدثنا محمد بن المظفر ثنا أبو الحديد عبدالوهاب بن سعد حدثني عباس بن محمد المصري ثنا أبو الربيع سليمان بن داود قال كان الشافعي إذا حدث كأنما يقرأسورة من القرآن وكان فصيحا فمرض مرضا شديدا فقال اللهم إن كان هذا لك رضي فزد فبلغ ذلك إدريس بن يحيى الخولاني فبعث إليه يا أبا عبدالله لست أنا ولا أنت من رجال البلاء قال فبعث إليه يا أبا عمرو ادع الله لي بالعافية )) اهـ.

أسناد هذا الخبر:

أما (محمد بن المظفر) فهو ابن موسى بن عيسى أبو الحسين الحافظ الكبير المجمع على توثيقه.

وأما (أبو الحديد عبد الوهاب بن سعد) فهو محدث مصر روى عنه الدارقطني وذكره بالشهرة وكثرة الكتابة، ووثقه ابن ماكولا قائلا: "من الثقات المجودين، مصرى كثير، الكتاب والرواية مشهور بالجمع" اهـ.

تنبيه: تحرفت كنيته إلى (أبي الشريد) في جمهرة الأجزاء الحديثية، وإلى (أبي الجديد) في الجزء المطبوع من كلام الشافعي في التصوف لأبي عبد الرحمن السلمي، وإلى (أبي الخليل) في معجم ابن المقرئ، والصواب أبو الحديد.

وأما (العباس بن محمد) فهو ابن العباس المصري، وقد صرح السلمي في جزئه بأنه المصري، واعتمد عليه الحافظ ابن عدي كثيرا في الرواية والجرح والتعديل، وصحح له الحاكم ووافقه الذهبي.

وأما (أبو الربيع) فهو سليمان بن داود بن حماد بن سعد المهرى ، أبو الربيع المصرى الفقيه المالكي الثبت، مجمع على فضله.

فالإسناد صحيح.

وقد أخرج أبو عبد الرحمن السلمي هذه الرواية في جزء من كلام الشافعي في التصوف، وعنه أخرجه الحافظ البيهقي في "مناقب الشافعي" (2/159) من طريق أبي الحديد قال :
((أخبرنا محمد بن الحسين الصوفي قال أخبرنا علي بن عمر الحافظ ببغداد قال حدثني إبراهيم بن محمد بن إبراهيم قال حدثنا أبو الحديد عبد الوهاب ...)) اهـ وساق باقي الرواية فهي متابعة جيدة .

وسندها جيد، فمحمد بن الحسين هو أبو عبد الرحمن السلمي الحافظ المشهور، وأما علي بن عمر فهو الحافظ الدارقطني، وأما شيخه إبراهيم بن محمد بن إبراهيم فهو أبو إسحق الرعيني المصري حدث عنه الحفاظ كالدارقطني واعتمد على روايته ووصفه الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي بالعدل الرضا، وذكره صاحب الأزدي يحيى ابن الطحان في "تاريخ علماء أهل مصر" قال: "إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الرعيني المعدل أبو إسحق، سمعت منه، توفي في صفر سنة خمس وستين وثلاثمائة" اهـ.

طريق ثان لهذه الحكاية:

أخرجه البيهقي في "مناقب الشافعي" (2/159) قال:

((وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت علي بن عمر الحافظ يقول سمعت أبا بكر النيسابوري يقول : سمعت الربيع بن سليمان يقول : كان الشافعي يختم في كل شهر ثلاثين ختمة وفي شهر رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة.
قال وكان يحدث وطست [تحته] فقال يوما: اللهم إن كان لك فيه رضى فزد، قال فبعث إليه إدريس بن يحيى المعافري: لست من رجال البلاء، فسل الله العافية)) اهـ.

إسناده صحيح مسلسل بالحفاظ.
السلمي وعلي بن عمر الدارقطني حافظان تقدم ذكرهما، وأبو بكر النيسابوري هو الحافظ الكبير محمد بن عبد الله بن زياد النيسابوري مشهور مترجم بكل جميل.

ومن طريق الحافظ البيهقي أخرجه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق (51 / 393) قال : أخبرنا أبو المعالي الفارسي أنبأنا أبو بكر البيهقي . وأبو المعالي الفارسي إمام ثقة.
ونقل القصة الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء - (10 / 83)

طريق ثالث لبعض هذه الرواية:

أخرجه ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي ومناقبة" (ص63) قال:

((أخبرني أبي، حدثنا حرملة، قال: سمعت الشافعي، أو قال لي: " اذهب إلى إدريس بن يحيى العابد، وقل له: يدعو الله لي ")) اهـ.

وابن أبي حاتم عبد الرحمن وأبوه محمد بن إدريس الرازي حافظان كبيران مشهوران، وحرملة هو ابن يحيى الفقيه تلميذ الشافعي، صدوق من أوعية العلم وهو من رجال صحيح مسلم.

ومن طريق ابن أبي حاتم أخرجها البيهقي في "مناقب الشافعي" (2/160) قال:

((أخبرنا محمد بن عبد الله الحفاظ قال أخبرني الحسين بن علي قال أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال حدثني أبي ..)) اهـ.

وهذا إسناد مسلسل بالحفاظ أيضا، والحسين بن علي هنا هو الحافظ الإمام النبيل أبو أحمد الحسين بن علي بن محمد بن يحيى التميمي النيسابوري الملقب بحسينك، واسطة الحاكم النيسابوري إلى كتب ابن أبي حاتم، وترجمته مبثوثة.

فببعض هذه الطرق ثبتت القصة وحصلت الثقة بها فكيف بمجموعها؟

وقد وصلت هذه الحكاية إلى العارف الزاهد الصوفي محمد بن علي بن عطية أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب المتوفى سنة 386هـ فأشار إليها في القوت في موضعين قال في أحدهما(2 / 47):

((وقد حكي أنّ الشافعي مرض مرضة شديدة بمصر فكان يقول : اللّهم ، إن كان في هذا رضاك فزدني منه ، فكتب إليه بعض العلماء وهو إدريس بن يحيي المعافري ، يا أبا عبد اللّه ، لست من رجال البلاء فسل اللّه العافية ، فرجع عن قوله هذا واستغفر منه ، فبعد هذا واللّّه أعلم ، لعلّه ما حكي عنه أنه كان يقول في دعائه : اللّهم إجعل خيرتي فيما أحببت)) اهـ.

تنبيه: ذكر هذه القصة الإمام عبد الوهاب الشعراني في العهود المحمدية فوقع عنده خطأ: مسلم بن خالد الزنجي بدلا من إدريس بن يحيى الخولاني، وهو خطأ ظاهر.

معنى القصة والشاهد فيها:

كان الإمام الشافعي رضي الله عنه قد أصيب بالبواسير حتى كان الدم يسيل منه، فاستعان بطست يضعه تحته، فقال كلمته (اللهم إن كان هذا لك رضي فزد) يعني فزدني من هذا البلاء ! فبلغ هذا الكلام إلى العارف بالله إدريس بن يحيى الصوفي فأرسل إلى الشافعي يقول له: ( يا أبا عبد الله لست أنا ولا أنت من رجال البلاء فسل الله العافية) فجمع إدريس في هذه الكلمة فهما عظيما، وهو أن رجال البلاء ـ هم الأنبياء ـ كما فسره بعض السلف، ولا يحتمل البلاء إلا من كان منهم من أهل العصمة، ومع هذا فقد سألوا الله العافية، وأما من لم يكن من الأنبياء فربما افتتن إذا زاد عليه البلاء ولا يصبر، وهنا انتبه الإمام الشافعي إلى قصد العارف بالله إدريس بن يحيى، وتذكر من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما كان قد غاب عنه تلك الساعة من الأحاديث والآثار المرغبة في طلب العافية التي منها قول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا) فلما انتبه الإمام الشافعي لهذا وتذكر رجع عن دعوته وصار يسأل الله العافية، وتوسل إلى الله بطلب دعاء العارف بالله إدريس بن يحيى الخولاني (فبعث إليه يا أبا عمرو ادع الله لي بالعافية).

فهذا ثابت صحيح عن الشافعي، وهو أصح شيء روي عن الشافعي في شأن صوفي، فما بال المخالفين يتركون هذا الصحيح الثابت إلى الباطل الضعيف؟؟ وإذا صح وثبت أن الإمام الشافعي طلب من هذا الصوفي الدعاء فهذه شهادة جليلة القدر غالية الثمن تصدر من إمام عظيم من طراز الشافعي في شأن إدريس نفسه وهي شهادة في حق التصوف أنه قد يكون سلوكا وهديا إسلاميا رفيعا يوصل صاحبه إلى درجات الكمال والصلاح والتقوى، فأين المتعصبون الظانون أن التصوف مساو للبدعة أين هم من هذا الخبر الصحيح المروي بأسانيد هي أثبت مائة مرة من الضعيف الذي اعتمدوا عليه للطعن في كل صوفي وأرادوا السلف من الصوفية على الخصوص، وجهلوا تأويل الأخبار، نسأل الله العافية ونعوذ بالله من الوقيعة في أولياء الله تعالى، فهذا هو مسلك الشافعية من بعد الإمام الشافعي، والتصوف الجنيدي الذي يتبناه أهل السنة والجماعة إنما هو مأخوذ عن مثل سالم الخواص وإدريس الخولاني وهذه الطبقة، نسأل الله العفو والعافية.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله

آخر تعديل بواسطة الأزهري ، 26-01-2016 الساعة 09:28 AM
رد مع اقتباس
  #36  
قديم 29-01-2011, 07:13 PM
أبو حسن
ضيف
 
المشاركات: n/a
افتراضي

بارك الله في السائل و المسؤول
بحث قيم و ممتاز
هل تسمحون لنا فضيلتكم بنقله و ترويجه ؟
رد مع اقتباس
  #37  
قديم 30-01-2011, 08:15 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,771
افتراضي

بارك الله في الجميع، والفقير لم ينته بعد فإذا انتهيت أعلمتكم ولكم نقله بعد ذلك.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله
رد مع اقتباس
  #38  
قديم 05-09-2011, 04:09 AM
عبد القادر سالم
ضيف
 
المشاركات: n/a
افتراضي

شيخى الجليل والعالم الجليل
جزاك الله عنا خير الجزاء
رد مع اقتباس
  #39  
قديم 05-09-2011, 06:43 AM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,771
افتراضي

قاعدة جليلة نبه عليها الأئمة الأعلام
وغفل عنها الجهال في هذا المقام


ويقال للجهال الطاعنين في السادة الصوفية بما نقلوه عن الإمام الشافعي وجهلوا صحيحه من سقيمه، ولم يعرفوا تأويل ما صح منه، يقال لهم:

لو صح تنزلا أن الإمام الشافعي رضي الله عنه قد قصد الطعن في الصوفية من أهل عصره لم يجز لكم الأخذ بذلك، لما تقرر من وجوب رد كلام الأقران بعضهم في بعض، ومن أحسن الناس كلاما في هذه المسألة الإمام أبو عمر بن عبد البر في كتابه الجليل "جامع بيان العلم وفضله" فقد عقد فصلا في ذلك سماه (باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض) ونحن نلخص لك ما ذكره:

أسند رحمه الله الخبر المرفوع (دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء ..)
وأسند إلى ابن عباس قوله : (استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض ..)
وقوله: (خذوا العلم حيث وجدتم ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض فإنهم يتغايرون ..)
وأسند إلى مالك بن دينار قوله : (يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض ..)

ثم قال ابن عبد البر كلاما ننقله لك بحروفه لنفاسته:

((.. هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تثبت أمامته ولا عرفت عدالته ولا صحت لعدم الحفظ والاتقان روايته فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه.
والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماما في الدين قول أحد من الطاعنين أن السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير في حال الغضب ومنه ما حمل عليه الحسد كما قال ابن عباس ومالك بن دينار وابن حازم ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان ولا حجة توجبه ونحن نورد في هذا الباب من قول الأئمة الجلة الثقاة السادة بعضهم في بعض ما لا يجب أن يلتفت فيهم إليه ولا يخرج عليهم ما يوضح لك صحة ما ذكرنا وبالله التوفيق
..)) اهـ

ثم ذكر ابن عبد البر جماعة من أئمة السلف تكلم بعضهم في بعض من الصحابة والتابعين وتابعيهم وطول في ذلك، وقد كرهنا نشر ذلك وتفصيله هنا، فمن شاء الوقوف على التفصيل راجع كتابه في الباب المذكور ثم قال ابن عبد البر:

(( فمن أراد أن يقبل قول العلماء الثقات الأئمة الاثبات بعضهم في بعض فليقبل قول من ذكرنا قوله من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بعضهم في بعض فإن فعل ذلك ضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا مبينا وكذلك إن قبل في سعيد بن المسيب قول عكرمة وفي الشعبي والنخعي وأهل الحجاز وأهل مكة وأهل الكوفة وأهل الشام على الجملة وفي مالك والشافعي وسائر من ذكرنا في هذا الباب ما ذكرنا عن بعضهم في بعض، فإن لم يفعل ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده فليقف عند ما شرطنا في أن لا يقبل فيمن صحت عدالته وعلمت بالعلم عنايته وسلم من الكبائر ولزم المروءة والتعاون وكان خيره غالبا، وشره أقلّ عملِه، فهذا لا يقبل فيه قول قائل لا برهان له به، فهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله .. )) اهـ.

وقد دار علماء الحديث على كلام ابن عبد البر هذا وجعلوه من قواعد مصطلح الحديث التي يلزم طالب علم الحديث معرفتها ليتخلص من القول بجهل في أهل العلم.

وقد تكلم الإمام تقي الدين بن دقيق العيد على هذا في كتابه الاقتراح ـ وذكر الصوفية ـ فقال في كلامه على الجرح:
((وهذا الباب تدخل فيه الآفة من وجوه : ))
فذكر وجهين ثم قال:
((وثالثها : الاختلافُ الواقع بين المتصوِّفة وأصحاب العلوم الظاهرة .
فقد وقع بينهم تنافر، أوجب كلام بعضهم في بعض . وهذا غَمْرَةٌ لا يخلصُ / منها إلاَّ العالم الوافِر بقواعد الشريعة .
ولا أحصر ذلك في العلم بالفروع ( المذهبية ) ، فإنَّ كثيراً من أحوال ( المُحِقِّين ) من الصوفية لا يَفي بتمييز حقِّه من باطله علم الفروع ، بل لا بُدَّ مع ذلك من معرفة القواعد الأصولية ، والتمييز بين الواجب ، والجائز ، والمستحيل العقلي ، والمستحيل العادي فقد يكون المتميِّز في الفقه جاهلاً بذلك ، حتى يَعُدَ المُستحيلَ عادة مستحيلاً عقلاً.
وهذا المقام خطر شديد ، فإن القادح في المُحِقِّ من الصوفيَّة مُعَادٍ لأولياء الله تعلى ، وقد قال ( سبحانه ) فيما أخبر عنه نبيّه صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ عَادى لي ولياً فقد بارزني بالمُحاربة )
.. ))اهـ المقصود منه.

ونقله عنه تلميذه الحافظ الذهبي في "الموقظة"، وقال الذهبي في "الميزان" : ((كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به ولا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد لا ينجو منه إلا من عصم الله وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهل من ذلك سوى النبيين والصديقين فلو شئت سردت من ذلك كراريس )) انتهى

فهذه جملة من القول أطبق عليها أهل الحديث، فلهذا نقول بناء على هذه القاعدة وجريا على ما أصلوه :

إن ثبت قول الشافعي في الصوفية ـ وليس بثابت كما بينا ـ وأنه أراد الطعن فيهم والتجريح، فالواجب أن لا يقبل كلامه فيهم ولا كلامهم فيه من أجل المعاصرة والخصومة، فلا يحل أن يقبل قول الشافعي فيهم لأنهم أقرانه، وفي قبول الجهال قول الشافعي في الصوفية فتح للباب الذي حذر منه ابن عبد البر وذكر سوء مغبته وشناعة مؤداه. فسقط بذلك ما تمسك به الجهال مما روي عن الشافعي في الطعن على الصوفية.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله
رد مع اقتباس
  #40  
قديم 05-09-2011, 10:44 AM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,771
افتراضي

اعتراض وجوابه:

وجائز للمخالفين أن يقولوا :


لا نسلم أن كلام الشافعي في صوفية عصره من باب كلام الأقران بعضهم في بعض لأنكم لم تثبتوا أن ثم خصومة بينهم وبين الشافعي ليندرج كلام الشافعي عنهم في قاعدة كلام الأقران بعضهم في يعض، فما لم تثبتوا خصومة لا يتم لكم الاستدلال بهذه القاعدة.

فنقول جوابا على هذا الاعتراض:

بيان الخصومة التي كانت بين الشافعي وصوفية مصر وسببها:

أعلم أن الإمام الشافعي رضي الله عنه لما دخل مصر، كان عامة أهل مصر على قول أهل المدينة في الفقه، فلما اجتهد الإمام الشافعي في بعض المسائل وجاء فيها ما يخالف قول الإمام مالك رضي الله عنه سكت بعض علماء مصر من المالكية ورأوا أن الشافعي مجتهد وله أن يقول ما أداه إليه اجتهاده، وكره بعض أهل العلم منه ذلك ـ وكانوا من أقرانه ـ فشددوا ورأوا أنه ليس له أن يخالف أهل المدينة ومذهب مالك، وكانوا يرون أن ما خالف قول أهل المدينة فهو بدعة, فمن هنا نشأت الخصومة بين الشافعي وبين بعض أهل العلم من أصحاب مالك، وكان عامة الصوفية في مصر على مذهب الإمام مالك، وكانوا يشددون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان رئيسهم في عصر الشافعي القاضي أبو محمد عيسى بن محمد بن المنكدر، فالخصومة بينهم وبين الشافعي كان سببها المذهب وليس التصوف.

الإمام القدوة الزاهد الناسك القاضي أبو محمد
عيسي بن محمد بن المنكدر القرشي
التيمي المدني الأصل ثم المصري
المالكي المتوفى سنة 215هـ
في سجن المعتصم


مصادر ترجمته في الجملة:
أخبار قضاة مصر للكندي 326، وأخبار القضاة لوكيع 3/240، والمرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا للنباهي 1/24، وترتيب المدارك للقاضي عياض 1/582، وفتوح مصر لعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم 226، وتاريخ الإسلام للذهبي، ونهاية الأرب للشهاب النويري 22/173، ورفع الإصر عن قضاة مصر للحافظ ابن حجر 1/294، وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة للسيوطي، والتحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، وتاج العروس من جواهر القاموس 14/415، وغيرها.

نسبه:

قال الحافظ في "رفع الإصر عن قضاة مصر" (1 / 294) :
((عيسى بن المُنْكَدِر بن محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن محرز بن عبد العزى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كلاب بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي المنكدري المدني الأصل ، نزيل مصر ، أبو محمد، ولد بقصر عمران بن النعمان المعافري بالفسطاط . وكانت ولايته من قبل عبد الله ابن طاهر لما أمره المأمون على مصر)) اهـ.

يشير الحافظ إلى ولايته القضاء، وهو تيمي من قبيلة أبي بكر الصديق ويتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم في النسب .. وهم آل بيت علم وصلاح.

آل بيت المنكدر:

وفي كتاب "نسب قريش" لأبي عبد الله مصعب الزبيري (8 / 295) قال:
(( وفي آل المنكدر صلاح وعلم ، منهم : محمد بن المنكدر ، وأبو بكر بن المنكدر ، وعمر بن المنكدر ، وكلهم يذكر بالصلاح والعبادة ، ويحمل عنه الحديث ..)) اهـ.

سيرته في القضاء:

قال الحافظ ابن حجر:
((وقال ابن يونس ومحمد بن محمد بن الأشعث : ذُكر عيسى بن المُنْكَدر عنده أبي شَرِيك المُراديّ فقيل كان لا يحسن القضاء ، فقال : معاذ الله ، بل كان رجلاً صالحاً . ولقد كانت فيه خصلة حسنة نافعة للمسلمين لما ولي القضاء جعل له صاحب مسائل يسال له عن الشهود ، ولم يقنع بذلك حتى يتنكَّر بالليل ويغطي رأسه ويمشي في السِكك يسأل عن الشهود . وقد رآه غير واحد من الثقات كذلك )) اهـ.

تصوفه وتعاهده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الصوفية:

قال محمد بن يوسف الكندي في "قضاة مصر" 330 :

((حدثني قيس بن حملة الغافقي قال حدثنا أبو قرة الرعيني قال :
كان عيسى بن المنكدر يتقرأ [قال الأزهري : أي يتعبد ويتنسك] وكانت له طائفة قد أحاطت به يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فلما ولي القضاء كانت تأتيه وهو في مجلس حكمه فتقول : أيها القاضي ذهب الإسلام فُعِلَ كيت وكيت. فيترك مجلس الحكم ويمضي معهم، فكلمه إخوانه مثل ابن عبد الله الحكم وغيره فقال: لا بد من القيام لله عز وجل بحقوقه. ثم أتت تلك الطائفة فقالوا: إن أمير المؤمنين المأمون قد ولى أبا إسحق [قال الأزهري : هو المعتصم] بن الرشيد مصر وإنا نخافه ونخشى أن يشد على يد أهل العدوان فاكتب لنا كتابا إلى المأمون بأنك لا ترضى بولايته ففعل ذلك ابن المنكدر وبلغ الكتاب المأمون فأحضر أبا إسحق فقال: ما الذي فعلت في أهل مصر. فقال : ما فعلت فيهم شيئا. فقال: هذا قاضيهم يزعم أنه لا يرضى بولايتك عليهم. فقال : ما أسأت إلى واحد منهم ولأفعلن بابن المنكدر وأفعلن فعزله أبو إسحق
)) اهـ.

قال الكندي أيضا :
((أخبرني ابن قديد عن أبي الرقراق قال :
كان سبب موجدة المعتصم على ابن المنكدر أن أصحابه الصوفية كلموه لما علموا أن ابن طاهر قد صُرِف عن مصر وصار الأمر إلى أبي إسحق، قالوا: ماذا نلقى من الفضل بن مسرون [قال الأزهري : صوابه الفضل بن مروان صار وزير المعتصم وكان ظالما شريرا] فسألوه الكتاب إلى المأمون بكراهية ولاية أبي إسحق فقال له ابن عبد الحكم: لا تفعل. فأبى وكتب إلى المأمون فدفع المأمون كتابه إلى أبي إسحق، فقال: والله ما سرت فيهم بسيرة أنكروها، فلما قدم أبو إسحق مصر عزله وحبسه
..)) اهـ.

قال وكيع في أخبار القضاة وابن عبد الحكم في فتوح مصر وغيرهما :
((كلمه فِيْهِ ابن أبي داود فأمره فوقف عَن الحكم ثم أشخص إِلَى العراق فمات)) اهـ

وابن أبي دؤاد هذا هو القاضي المعتزلي صاحب فتنة خلق القرآن.

قال القاضي عياض في ترتيب المدارك:

((قال سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم: لما ولي ابن المنكدر، وكانت حاشيته الصوفية، فكان إذا بلغ أبي أنه كان منه ما ينكره الناس بعث له أخي عبد الحكم ينهاه عن ذلك، ويأمره بما يراه. فبعث إليه مرة، فالتفت إلى أخي وقال: ما يظن أبوك إلا أنه أعتق المنكدر ! فأمسك عبد الله أن ينهاه عن شيء. وغلبت عليه الصوفية ..)) اهـ.

وقال الحافظ في رفع الإصر:

((وكان سبب عزله أنه كان بمصر جماعة من الصوفية وكانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . كان عيسى معهم . فلما ولي القضاء كانوا يأتونه فيقولون : جرى كذا وكذا فينهض معهم ، فإذا لامه إخوانه قال : لا بد من القيام بحق الله . فاتفق أن المأمون ولي أخاه أبا إسحاق إِمْرَة مصر فخافوا من سطوته ، فسألوا القاضي أن يكتب إلى المأمون أنهم لا يرضون بولاية أبي إسحاق . فأقرأه المأمون الكتاب فغضب وقال : لأفعلن بعيسى كذا وكذا ، وأمر بعزله ، فلما دخل مصر أمر بحبسه وحُبس ابن عبد الحكم لكونه من جهته فمات ، وأقام ابن المنكدر للناس فخاصموه وادعوا عليه دعاوي ، فاستمر محبوساً حتى خرج أبو إسحاق من مصر . وكان عزله في رمضان سنة أربع عشرة ، ثم أمر أبو إسحاق بإحضاره إلى العراق ، فاخرج في ذي القعدة سنة خمس عشرة فسجنه حتى مات هناك)) اهـ.

فرحم الله هذا الإمام الذي عزل عن القضاء ومات في سجن المعتصم بسبب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر في زمن الفتنة الكبرى.

الخصومة بينه وبين الإمام الشافعي:

قال الكندي في قضاة مصر:
((حدثنا أبو سلمة أسامة قال حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: سمعت الشافعي يقول لعيسى بن المنكدر : اشكر الله وعائشة فهي جعلت لكم قرطين من ذهب)) اهـ. ونقله كذلك الحافظ في رفع الإصر.

ومعنى هذا الكلام من الشافعي ـ والله أعلم ـ تعيير لعيسى بن المنكدر أنه من قوم فقراء تصدقت عليهم أم المؤمنين عائشة.

قال الزبيري في "نسب قريش" عن جده المنكدر:
((وهم لأم ولد، كان المنكدر جاء إلى عائشة أم المؤمنين ؛ فشكا إليها الحاجة ؛ فقالت : " أي شيء يأتيني أبعث به إليك " . فجاءتها عشرة آلاف درهم ؛ فبعث بها إليه ؛ فاتخذ منها جارية ، فولدت له)) اهـ.

فأظن الشافعي يرمي إلى هذا المعنى.

قال الكندي :
((أخبرني ابن قديد عن يحيى بن عثمان أن عيسى بن المنكدر كان دخوله مصر قديما. قال يحيى فأخبرني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: سمعت ابن المنكدر يصيح بالشافعي، والشافعي يسمع : "يا كذا يا كذا ، دخلت هذه البلدة وأمرنا واحد، ورأينا واحد، ففرَّقت بيننا، وألقيت بيننا الشرّ، فرَّق الله بين روحك وجسمك)) اهـ.

هذا إسناد حسن، فابن قديد هو علي بن الحسن بن خلف بن قديد المصري أبو القاسم
قال الذهبي : "الإمام المحدث الثقة المسند".
ويحيى بن عثمان هو ابن صالح بن صفوان أبو زكريا السهمي المصري.
قال الذهبي : "العلامة، الحافظ، الاخباري" وفيه جرح غير مفسر.
قال الحافظ في التقريب: "صدوق رمى بالتشيع و لينه بعضهم لكونه حدث من غير أصله"
وذكره الذهبي فيمن تكلم فيه وهو موثق.

وقال القاضي عياض في ترتيب المدارك:

((قال ابن أخي ابن وهب: سمعت القاضي ابن المنكدر يصيح بالشافعي: يا كذا يا كذا، دخلت هذه البلدة وأمرنا ورأينا واحد، ففرّقت بيننا، ودعا عليه)) اهـ.

قال الحافظ في رفع الإصر بعد أن ذكر هذه القصة:

((وكان ذلك قبل أن يلي عيسى بن المنكدر، وأشار بالتفرقة إلى ما وقع من الاختلاف بين الشافعي وأهل مصر ، وكانوا لا يعرفون إلا رأي مالك ، فلما خالفه الشافعي وافقه جماعة كثيرة منهم فصار يقع بينهم الجدال والمنازعة . وإنما ولي عيسى القضاء بعد موت الشافعي بمدة طويلة )) اهـ.

قلت : ولي القضاء بعد موت الشافعي بسبع سنوات.

والخلاصة:

فهذا ما يدل على وقوع الخصومة من أجل المخالفة في المذهب بين هذين الإمامين الجليلين، الإمام القاضي أبي محمد عيسى بن المنكدر القرشي التيمي المالكي الصوفي وطائفته، والإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وقد بيناه من كلام أهل العلم، وإذا كان الأمر كذلك بينهما على ما وصفنا، صح أنه لا بد من تطبيق القاعدة التي تقدم ذكرها من وجوب ترك كلام بعض أهل العلم في بعضهم، وأنه من باب تناطح الأقران، والله الموفق للصواب.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله

آخر تعديل بواسطة الأزهري ، 05-09-2011 الساعة 11:12 AM
رد مع اقتباس
  #41  
قديم 05-09-2011, 12:18 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,771
افتراضي

الخاتمة
وفيها فائدة جليلة محرجة للمخالفين
وعائدة نبيلة مبهجة للشافعيين


قد علم الخلق أجمعون أن الإمام الشافعي رضي الله عنه قد استخلف قبيل موته الإمام الجليل يوسف بن يحيى القرشي أبو يعقوب البويطي المصري، وهو الغني عن التعريف والترجمة ولكننا نشير هنا ـ لمن لا يعلم ـ بترجمته من طبقات ابن قاضي شهبة لاختصارها إذ يقول:
((الفقيه أحد الأعلام من أصحاب الشافعي وأئمة الإسلام، قال الربيع: وكان له من الشافعي منزلة وكان الرجل ربما يسأله عن المسألة فيقول سل أبا يعقوب فإذا أجاب أخبره فيقول هو كما قال. وربما جاء إلى الشافعي رسول صاحب الشرطة فيوجه الشافعي أبا يعقوب البويطي ويقول هذا لساني. وخلف الشافعي في حلقته بعده، قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من أبي يعقوب، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، وقال النووي في مقدمة شرح المهذب: إن أبا يعقوب البويطي أجل من المزني والربيع المرادي. وقال الحاكم سمعت أبا العباس الأصم يقول: رأيت في المنام أبي فقال: لي عليك بكتاب البويطي فليس في كتب الشافعي كتاب أقل خطأ منه. كان يصوم ويقرأ القرآن لا يكاد يمر يوم وليلة إلا ختم مع صنائع المعروف إلى الناس. وقال ابن أبي الجارود: كان البويطي جاري فإن انتبهت ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي. مات ببغداد في السجن والقيد في المحنة في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين وقال ابن يونس سنة اثنتين وثلاثين )) اهـ.

فإذا عرفتم منزلة أبي يعقوب البويطي من الشافعي، وأنه خليفته من بعده، وإذا عرفتم أن أبا يعقوب أبى أن يوافق المبتدعة في القول بخلق القرآن حتى حملوه مقيدا وحبس في بغداد حتى مات رضي الله عنه، فإذا علمتم منزلة هذا الإمام فاعلموا مع ذلك أن أبا يعقوب هذا قد رشح الإمام عيسى بن المنكدر المالكي الصوفي للقضاء:

قال الكندي في أخبار قضاة مصر 327 :

((أخبرني علي بن أحمد بن محمد بن سلامة عن أبيه عن يحيى بن عثمان عن البويطي قال .. : أنا أذكر للأمير ستة يجعل هذا الأمر فيمن رآه منهم، قال من هم؟ قلت : عبد الله بن عبد الحكم، قال ومن؟ قلت سعيد بن هاشم، قال ومن؟ قلت عيسى بن المنكدر ..)) اهـ المقصود منه.

وعلي بن أحمد بن محمد بن سلامة هو الفقيه الورع ابن الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي الشهير صاحب متن العقيدة الطحاوية.
وأبوه غني عن التعريف وقد تابعه ابن قديد عند ابن يونس.
ويحيى بن عثمان هو ابن صالح وقد تقدم ذكره.
فهذا إسناد حسن.

وذكر الحافظان المزي في تهذيب الكمال والذهبي في النبلاء وتاريخ الإسلام طرفا من قصة البويطي هذه من طريق ابن يونس في ترجمة أصبغ بن الفرج.
وذكرها بتمامها جازما الحافظ ابن حجر في رفع الإصر.

وقد استجاب الأمير لترشيخ البويطي وولي ابن المنكدر قضاء مصر برضى شيوخ مصر كلهم.

فهذا الإمام البويطي خليفة الشافعي الثاني والتقي الورع الذي مات لئلا ينطق بخلق القرآن قد رشح صوفيا كان على خصومة مع الشافعي رشحه لقضاء مصر. ورضي بهذا شيوخ مصر وعلماؤها ! فعلى قول أهل الجهالة يكون البويطي وعلماء مصر قد رشحوا ضالا مضلا أو زنديقا لقضاء مصر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وعلى قول أهل الحق والفهم أنه رشح رجلا صالحا تقيا ورعا عالما يصلح للقضاء، وهذا الذي ينبغي أن يقول به أهل العلم والعقل لا ذاك.

فهذا الإمام الشافعي يصحب الصوفية عشر سنين ويطلب منهم الدعاء، وهذا البويطي يرشح شيخهم لمنصب القضاء، فماذا بعد الحق إلا الضلال والمراء؟؟ والحمد لله رب العالمين.

انتهت الرسالة


__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله

آخر تعديل بواسطة الأزهري ، 09-09-2011 الساعة 10:24 PM
رد مع اقتباس
  #42  
قديم 05-09-2011, 12:33 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,771
افتراضي

المجال مفتوح للمباحثة والتعليق الآن، وألتمس من الإخوة المعونة في ترتيب هذا الموضوع وتنسيقه في ملف وورد ورفعه على المنتدى مشكورين.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله
رد مع اقتباس
  #43  
قديم 05-09-2011, 04:57 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,771
افتراضي

نرجو النشر والتعميم.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله
رد مع اقتباس
  #44  
قديم 09-09-2011, 07:22 AM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,771
افتراضي

لقد قام الأخ علال بن الشيخ بترتيب الرسالة على ملف وورد، وقد وعد كذلك أحد أصدقائنا بعمل ترتيب جيد لها ونحن ننتظر، وسأنظر فيها بعد ذلك وننزلها في صورة نهائية إن شاء الله، وهذا ترتيب الأخ علال:

http://cb.rayaheen.net/showthread.php?tid=36324

وهذا رابط مباشر:

http://www.4shared.com/file/EH8BQqg_/_________.html
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله

آخر تعديل بواسطة الأزهري ، 09-09-2011 الساعة 07:25 AM
رد مع اقتباس
  #45  
قديم 09-09-2011, 10:10 PM
سيف العباسي
ضيف
 
المشاركات: n/a
افتراضي

ماشاءالله تبارك الرحمن جزاكم الله خير وبارك الله فيكم
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أسس التصوف, من تصوف, مناظرات, الأحباش, الأزهر, التبليغ, التصوف, البويطي ، تاريخ مصر, الجيلاني البدوي, الدسوقي, الرد على من طعن, الرفاعية, السلفية والصوفية, الشاذلية ، الشاذلي, الشافعي, الصوفي, الصوفية, الإخوان المسلمين, الوهابية والصوفية, النقشبندية, القادرية, ذم التصوف, ذم الصوفية, دمشقية ، الألباني, على الكسل

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 07:38 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.1
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » شبكة عرب فور هوست


Security By © : Rg Security v5.3
 

::+: مجموعة ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::

::+: ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::    
تابعونا عبر تويتر