::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::
  التسجيل ::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+:: ::+: أتصل بنا (راسلنا) :+::  
::+: الواجهه الرئيسيه للموقع :+::

العودة   منتدى الأزهريين > الزهد والرقائق
   

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #16  
قديم 14-01-2011, 02:48 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,742
افتراضي

الخبر الثاني :

ما رواه الإمام أبو سليمان الخطابي في "العزلة" قال:
((أخبرني محمد بن الحسين الآبري قال أخبرنا الزبير ابن عبد الواحد قال قال علي بن يحيى الوراق كان الشافعي رحمة الله عليه رجلا عطرا وكان يجيء غلامه كل غداة بغالية فيمسح بها الأسطوانة التي يجلس إليها وكان إلى جنبه إنسان من الصوفية وكان يسمى الشافعي البطال يقول هذا البطال وهذا البطال قال فلما كان ذات يوم عمد إلى شاربه فوضع فيه قذرا ثم جاء إلى حلقة الشافعي فلما شم الشافعي الرائحة أنكرها وقال فتشوا نعالكم فقالوا ما نرى شيئا يا أبا عبد الله قال فليفتش بعضكم بعضا فوجدوا ذلك الرجل فقالوا يا أبا عبد الله هذا فقال له ما حملك على هذا قال رأيت تجبرك فأردت أن أتواضع لله عز وجل قال خذوه فاذهبوا به إلى عبد الواحد وكان على الشرطة فقولوا له قال لك أبو عبد الله اعتقل هذا إلى وقت ننصرف قال فلما خرج الشافعي دخل إليه فدعا به فضربه ثلاثين درة أو أربعين درة قال هذا إنما تخطيت المسجد بالقذرة وصليت على غير الطهارة )) اهـ.

ورأيت الخبر كذلك عند البيهقي في المناقب (2/209) قال : ((وبلغني أنه رأى من بعض من تسمى باسم الصوفية ما كره، فخرج قوله في ذم أمثاله، وذلك فيما قرأته من كتاب أبي الحصن العاصمي: أخبرني الزبير بن عبد الواحد قال حدثني سعيد بن عبد الله بن سهل أبو عثمان البغدادي بمصر قال سمعت علي بن بحر الوراق يقول ..)) وذكر الخبر.

إسناد هذا الخبر:

أبو سليمان إمام ، وشيخه هو الآبري تقدم ذكره، وهو بعينه أبو الحسن العاصمي في سند البيهقي فإن البيهقي قد سمى أبا الحسن العاصمي هذا في كتابه "بيان من أخطأ على الشافعي" ونسبه فإذا هو الآبري، والزبير بن عبد الواحد حافظ وثقه غير واحد، ثم سقط رجل من سند الخطابي في العزلة وهو مذكور فيما نقله البيهقي عن الآبري وهو سعيد بن عبد الله بن سهل ذكره الخطيب البغدادي بدون تجريح أو تعديل، وأما علي بن يحيى الوراق فلم أعرفه، وسماه البيهقي علي بن بحر الوراق، ومن وقف على ترجمته فليخبرنا بها، ففي السند مجهول العين عندنا الآن، فالقصة لا تثبت والله أعلم.

معنى هذا الخبر:

ولو صحت هذه القصة فلا حجة فيها أن الشافعي ذام للتصوف، بل هذه القصة حجة على المخالف، لأن الشافعي لما عاقب هذا المتصوف بين له أنه إنما عاقبه لأمرين اثنين لا ثلاثة:

الأول : دخول المسجد بالنجاسة.

الثاني : إفساد الصلاة لحمل النجاسة فيها.

وهذان المعنيان يستحق هذا الجاهل بهما التعزير ولا شك، بل كان الجاهل يستحق التأديب بمعنى ثالث وهو استهزاؤه بعالم وقوله له (البطال) ولكن الشافعي عفى عن هذا ولم يذكر الشافعي علة غير الثنتين، وعند المخالف لنا أن هذا الصوفي لو كان لم يدخل المسجد بنجاسة وصلى على طهارة صحيحة لكان مع ذلك مستحقا للتعزير أو القتل حتى يدع التصوف، لأن التصوف عند المخالفين قريب من الكفر والردة !! وما فعله الشافعي دال على أنه لم يجد في الانتساب إلى التصوف ما يستوجب التعزير فاكتفى بتعزير الرجل على الخطأ الذي وقع فيه، فهذا لو صح لكان حجة على المخالف لا له.

وقد يجوز أن يكون ذاك الصوفي أحمق جدا حتى وضع على شاربه ما هو نجاسة باتفاق كنجاسة الآدمي .. ويحتمل أن يكون ذاك الصوفي على مذهب أهل المدينة ويرى طهارة فضلات ما يؤكل لحمه من روث البقر والغنم والإبل، وهذا لو وضعه على شاربه لا يكون مستعملا للنجاسة في المسجد ولا مفسدا لطهارته ولا لصلاته وعلى هذا عمل أهل المدينة، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في مرابض الغنم اهـ وهي لا تخلو من البعر، فلو فرضنا أن هذا الصوفي فعل ذلك لم يلزمه تعزير على مذهب أهل المدينة ويكون الشافعي على هذا الاحتمال إما أنه لم يستفصل منه أخذا بالظاهر، أو عزره على رأيه في نجاسة الفضلات والله أعلم.

وهذه القصة لو صحت ففيها دليل على أن بعض جهال المتصوفة كانوا يتعرضون له، وكان هو يصبر عليهم، ويكون قوله السابق في من تصوف أول النهار لا يجيء الظهر إلا وهو أحمق يكون قوله هذا منزلا على أمثال هذا الصوفي المصلي بالنجاسة، وقد أيد هذا البيهقي فقال في "منقب الشافعي" : (وبلغني أنه رأى من بعض من تسمى باسم الصوفية ما كره، فخرج قوله في ذم أمثاله) فافهم ذلك.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 14-01-2011, 09:07 PM
الصورة الرمزية أبو القاسم الحسني
أبو القاسم الحسني أبو القاسم الحسني غير متواجد حالياً
مشارك
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
المشاركات: 47
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الأزهري مشاهدة المشاركة



الوجه الثاني المسكت:

ويقال لهؤلاء المخالفين لو كان الشافعي أراد أن الصوفية مثل الرافضة والحرورية والمعتزلة وأن من تصوف صار أحمق أي ضالا مبتدعا فاسقا لقال : (من تصوف صار ضالا مبتدعا) ولم يترك مهلة من الزمن لا يكون فيها المتصوف ضالا، ولكن الشافعي لم يقل ذلك بل قال: (لم يأت عليه الظهر إلا وجدته أحمق) فذكر الشافعي مهلة من الزمن ممتدة من أول النهار إلى الظهر لا يكون فيها المتصوف أحمق حتى إذا جاء الظهر وزالت الشمس صار أحمق ! فما الحاجة إلى تأخير ضلالته عن وقت اعتناقه للضلالة يا عقلاء الناس؟؟؟!!! ومثل هذا الكلام لا يقال في البدعة والضلالة يا عقلاء، وإنما يقال فيما لا بأس به فيقال مثلا : من صحب الدباغ والسماك لم تمض عليه مدة حتى يتعود روائحهم. ويقال مثلا: من صحب البدو لم يمض عليه وقت إلا وقد صار جافيا مثلهم. فهذا كله معقول من القول يحتاج إلى وقت . وأما أن يقال (من ترفض أول النهار لم يأت عليه الظهر إلا وجدته ضالا) فهذا كلام سخيف لأن من ترفض أو اعتزل .. صار ضالا في حين ترفضه أو اعتزاله لأنه يصير ضالا من حيث اعتناقه للبدعة، ولا مدة ولا تراخي إلى الظهر، فبمجرد اعتناقه واعتقاده الرفض والاعتزال يصير ضالا، فلو كان الشافعي فهم أن التصوف كالترفض لما أخر الضلال إلى الظهر، ومن خالفنا يزعم أن من تصوف صار ضالا مباشرة بتصوفه ولكن الشافعي يقول يصير أحمق عند الظهر، فدل ذلك على أن الشافعي لا يرى التصوف من جنس البدع بل يراه تنسكا يورث المرء طباعا تأتي على مهل.

وفي هذا كله ما يسقط احتجاج المخالف بهذا الخبر عن الشافعي.

إي والله، هذا الوجه مسكت للمخالف العنيد وكاف شاف لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
بارك الله فيكم سيدي
__________________
مُحب الأزاهرة
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 15-01-2011, 08:52 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,742
افتراضي

الخبر الثالث:

ما رواه البيهقي في "مناقب الشافعي" (2/207) قال:

((أخبرنا محمد بن عبد الله قال سمعت أبا زرعة الرازي يقول سمعت أحمد بن محمد السندي يقول : سمعت الربيع بن سليمان يقول سمعت الشافعي يقول :
ما رأيت صوفيا عاقلا قط إلا مسلم الخواص))اهـ.

يريد سلم أو سالم بن ميمون الخواص الزاهد.

إسناد الخبر:

أما محمد بن عبد الله فهو الحاكم النيسابوري الإمام الحافظ، وأما شيخه فهو أحمد بن الحسين بن علي أبو زرعة الرازي الصغير الحافظ الثقة، وأما أحمد بن محمد السندي فمتهم وهاك ترجمته من لسان الميزان:

((أحمد بن محمد السندي أبو الفوارس الصابوني البحتري صدوق إن شاء الله إلا أني رأيته قد تفرد بحديث باطل عن محمد بن حماد الطهراني كأنه أدخل عليه انتهى [أي كلام الذهبي وما سيأتي فكلام الحافظ ابن حجر]

وكان ينبغي ذكر ذلك الحديث ليجتنب وسأبحث عنه إن شاء الله ثم رأيت عن الماليني أن ابن المنذر قال: "هو كذاب" فأورد له الدارقطني في غرائب مالك حديثا رواه عن العباس بن الفضل بن عون التنوخي عن سوادة بن إبراهيم الأنصاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر في تجاوز الله عن الخطأ والنسيان الحديث وقال عقبه: لا يصح ومن دون مالك ضعفاء.
قلت مات في شوال سنة تسع وأربعين وثلاث مائة وقد جاوز المائة ووقع لنا من حديثه بعلو في الثقفيات وله رواية عن أبي إبراهيم المزني وهو آخر من حدث عنه ))اهـ.

فهذا السندي يقول عنه ابن المنذر "كذاب" ويضعفه الدارقطني، فلا يثبت هذا الخبر أيضا عن الإمام الشافعي.

ويقال للمخالف الذي يرى صحة هذا الخبر:

تقرر بإجماع أهل الحديث أن عدالة الراوي شرط لصحة روايته، فهل تعلم أيها المخالف أن رواة هذا الخبر عن الشافعي عدول أم لا تعلم؟ فإن قال فيهم من ليس بعدل. فقد خصم نفسه وسقطت حجته لأن رواية غير العدل مردودة.
وإن قال هم عدول كلهم. قلنا له: فهل تعلم أن أبا زرعة الرازي أحمد بن الحسين أحد رواته هل تعلم أنه صوفي؟؟؟ فقد قال عنه الحاكم في المستدرك - (3 / 235) : (حدثني أبو زرعة أحمد بن الحسين الصوفي) وقال عنه الرافعي في التدوين: ( أحمد بن الحسين بن علي الرازي الصوفي شيخ، قدم قزوين) فهذا الراوي لهذا الخبر صوفي كما ترى، فهل تراه عدلا على تصوفه أم لا تراه عدلا؟؟؟؟ فإن قال: هو عدل. فقد خصم نفسه إذ جعله عدلا عاقلا على تصوفه، وإن قال ليس بعدل. فقد خصم نفسه إذ سقطت حجته لأن رواية غير العدل لا تقبل.

معنى هذا الخبر:

فإن صح هذا الخبر فنقول لا حجة فيه على ذم الصوفية لعدة أجوبة:

الجواب الأول : أن نفي العقل لو كان بمعنى الجنون فليس من عيوب الآخرة بل غايته أن يكون من عيوب الدنيا، والمجنون مستريح من عذاب الله تعالى، فلا يكون الشافعي قد ذمهم ـ إن كان ذمهم ـ بشيء يشينهم في دينهم، وسلامة دينهم هو مقصودنا الأول.

الجواب الثاني : أن العقل المنفي هنا ليس ضد الجنون قطعا، بل جائز أن يكون ضد الفطانة والذكاء كما تقدم، وهذا العقل البالغ ليس بلازم لدخول الجنة، بل تقدم في صحيح مسلم أن الجنة قالت : (فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم؟) وقال الإمام النووي: ( أي البله الغافلون الذين ليس لهم فتك وحذق في أمور الدنيا وهو نحو الحديث الآخر أكثر أهل الجنة البله) اهـ.
وإذا كان البله والسذج الغفلون هم أكثر أهل الجنة فلا ينبغي للصوفية إلا يكونوا كهؤلاء لا من أهل الفتك والحذق.

الجواب الثالث : أن الإمام الشافعي كان قد طلب علم النجوم والفراسة ورحل لجمع هذه الكتب كما ورد في كتب مناقبه كلها، فتأثر بها ثم أحرقها فبقي عنده تشديد في أحكام وشروط وعلامات الذكاء والعقل على أرفع ما يكون حتى خرج العقل عنده عما يعهد وليس على ما يتبادر إلى أذهان الناس، ويدلك على ذلك قوله في مارواه ابن أبي حاتم في "مناقب الشافعي" :

ـ أخبرني أبي ثنا حرملة بن يحيى، قال: سمعت الشافعي يقول: (احذر الأعور، والأحول، والأعرج، والأحدب، والأشقر، والكوسج، وكل من به عاهة في بدنه، وكل ناقص الخلق، فاحذره؛ فإنه صاحب التواء، ومعاملته عسرة).

ـ وفي مناقبه للبيهقي عن حرملة عن الشافعي أنه قال: (إذا رأيت الرجل فضة خاتمه كثيرة وفصه صغير فذاك رجل عاقل )

ـ وفي مناقبه لابن أبي حاتم: ثنا الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: (ما رأيت سمينا عاقلا قط، إلا رجلا واحدا)

وهذه أسانيد لا يقدر المخالفون على الطعن فيها على طرائقهم، وأنت ترى ما في هذا الكلام وكيف حكم على العقل من خلال صفات الخاتم ! وكيف عمم على كل هؤلاء الزمنى أنهم ناقصو الأخلاق وأنهم أصحاب التواء ! وكيف حكم على كل سمين رآه أنه ناقص العقل واستثى واحدا فقط !! فدل كل هذا على أن العقل الذي يعنيه الشافعي ليس هو الذي إذا نقص اختل العلم والدين والفقه والفطنة الضرورية، وإلا فانظر أيها العاقل ما يلزم من حمل كلام الشافعي هنا على غير ما ذكرناه لك، فإذا عرفت هذا وفهمته جيدا عرفت أن قوله ما رأيت صوفيا عاقلا .. أنه لم يعن بهذا الكلام جنونا ولا سفها وحماقة وإنما عنى شيئا غامضا عميقا لا يخل بالعلم والسمت والفهم، وحسب الصوفية أن يكونوا من جنس أكثر أهل الجنة السذج.

الجوب الرابع : أن الشافعي هنا ـ على فرض صحة الخبر ـ قد حكم بالعقل لرجل صوفي استثناه وهو سلم بن ميمون الخواص الصوفي، وقد كان سلم أو سالم ممن أخذ عن مسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي فهما قعدا وتفقها عند شيخ واحد، وهذا بحد ذاته ناقض لحجة المخالف الزاعم أن الصوفية أهل ضلال، لأننا نسألكم : ما أراد الشافعي باستثناء سالم وإثبات العقل له؟ هل أراد مدحه أم لا ؟ فإن قلتم لم يرد مدحه بذلك لأن إثبات العقل لإنسان لا مدحة فيه قلنا لكم فإذا كان إثبات العقل لا مدح فيه فإن نفي العقل لا ذم فيه، وهذا مسقط لحجتكم. وإن قالوا بل أراد مدح طبعه وسجاياه لا مذهبه ودينه وقد يكون الرجل عاقلا ولا دين له، قلنا لكم فإذا أقررتم أن الكلام على غير الدين وأنه في الطباع والسجايا فلا يوجب هذا الكلام من الشافعي إذن ذم الصوفية في دينهم، وبهذا أيضا سقطت حجتكم لأن مقصودكم الأول إنما هو الطعن على دين الصوفية.

الجواب الخامس : روى ابن ابي حاتم في مناقب الشافعي قال : ثنا يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول: ( قلت لمحمد بن الحسن يوما، وذكر مالكا وأبا حنيفة، فقال لي محمد بن الحسن: ما كان ينبغي لصاحبنا أن يسكت يعني أبا حنيفة، ولا لصاحبكم أن يفتي يريد مالكا، قلت: نشدتك الله، أتعلم أن صاحبنا يعني مالكا كان عالما بكتاب الله؟ قال: اللهم نعم ".
قلت: فنشدتك الله، أتعلم أن صاحبنا كان عالما بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: اللهم نعم.
قلت: وكان عالما باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم.
قلت: أكان عاقلا؟ قال: لا.
...) وذكر باقي المناظرة.

فانظر إلى قول محمد بن الحسن عن شيخه وشيخ المسلمين وإمام الأمة إمام دار الهجرة الأعظم مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المبشر به في حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول عنه محمد بن الحسن بأنه لم يكن عاقلا، ويسكت عنه الشافعي، فنقول لهؤلاء المخالفين أتعلمون ما عناه محمد والشافعي بالعقل هنا؟ فإن زعموا أنه أراد السخافة والسفه فانظر كيف رموا إمام الأمة بهذه الآفة كما رموا الصوفية أيضا، وإن قالوا ليس يجوز أن يكون مالك غير عاقل وإنما أراد محمد بن الحسن والشافعي أن مالكا رضي الله عنه لم يكن ممن يكثرون من الرأي والقياس والجدل والمناظرة، وإنما ممن يؤثرون الاتباع، فقد سمى محمد والشافعي الرأي والقياس والجدل والمناظرة عقلا، فكذلك لما قال الشافعي ما رأيت صوفيا عاقلا إنما عنى ما رأيت صوفيا ذا رأي وقياس وجدل ومناظرة، وهكذا يستقيم الكلام ويصح فإن الصوفية كانوا من أبعد الناس عن هذه الخلال، وبهذا يستقيم الكلام وتسقط حجة المخالف لنا.


يأتي الخبر الرابع إن شاء الله تعالى.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 16-01-2011, 09:09 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,742
افتراضي

الخبر الرابع :

أخرج أبو عبد الرحمن السلمي في جزء من كلام الشافعي في التصوف ـ وعنه البيهقي في "مناقب الشافعي" (2/207) واللفظ له قال :

((أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا عبد الله الرازي يقول سمعت إبراهيم بن المولد يحكي عن الشافعي أنه قال : "لا يكون الصوفي صوفيا حتى يكون فيه أربع خصال: كسول، أكول، نؤوم، كثير الفضول")) اهـ.

البيهقي هو الإمام المعروف، وشيخه هو أبو عبد الرحمن السلمي مشهور وقد تكلم فيه وترجمته في لسان الميزان فلتراجع، وشيخه أبو عبد الله الرازي هو الحسين بن أحمد بن جعفر وقد صرح السلمي باسمه في بعض الروايات، ولم أقف له على ترجمة حتى الآن فهو ـ عندنا ـ مجهول، ومن عرفه فليخبرنا بترجمته، وأما شيخه فهو إبراهيم بن أحمد بن محمد بن المولد أبو إسحاق الرقي الصوفي الواعظ، ترجم له أبو عبد الرحمن السلمي في "طبقات الصوفية" والحافظ أبو نعيم في "حلية الأولياء" والحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، وغيرهم، وظاهر حاله أنه مستور، توفي سنة 342هـ قال الذهبي في وفيات هذه السنة: ((وفيها مات مسند همذان أبو جعفر أحمد بن عبيد الاسدي، وشيخ الصوفية إبراهيم بن المولد)) اهـ.

وابن المولد المتوفى سنة 342هـ لم يدرك الإمام الشافعي المتوفى سنة 204هـ.

فهذا الإسناد لا يصح لجهالة الرازي والانقطاع بين المولد والشافعي.

ولهذا الخبر طريق آخر أخرجه السلفي عن المبارك بن عبد الجبار الطيوري في "الطيوريات" قال:

((سمعت أحمد يقول: سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أبا بكر الخلال يقول: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: لا يكون الصوفي صوفيا حتى يكون أكولا نؤوما، كثير الفضول )) اهـ.

والمبارك بن عبد الجبار كذبه المؤتمن الساجي ووثقه الباقون، وشيخه أحمد بن محمد العتيقي وثقه الخطيب وابن ماكولا .. وشيخه أبو الحسن ابن مقسم فهو القرئ وهاك ترجمته من " لسان الميزان" :

((أحمد بن محمد بن الحسن بن مقسم المقري حدث عن الباغندي قال أبو القاسم الأزهري: "كذاب"
وقال الخطيب حدثنا عنه أبو نعيم الحافظ ومحمد بن عمر بن بكر والخلال وكان يظهر النسك والصلاح ولم يكن في الحديث ثقة.
وقال حمزة السهمي حدث عمن لم يره.
وقال العتيقي توفي سنة ثمان وثلاث مائة انتهى [أي كلام الذهبي والآتي كلام ابن حجر]
وقال الحاكم: حدث بأحاديث شاذة عن قوم ثقات.
وقال حمزة سمعت الدارقطني وجماعة من المشائخ تكلموا فيه وكان أمره أبين من هذا.
وقال بن أبي الفوارس: كان سيء الحال في الحديث مذموما ذاهبا لم يكن بشيء البتة
)) اهـ.

وشيخه أبو بكر الخلال ليس هو أحمد ابن هارون الحنبلي لأن الحنبلي مات 311هـ وابن مقسم مات 308هـ فلا يروي عن الحنبلي، ولأن الحنبلي يروي عن الشافعي بواسطتين وأكثر وهذا أبو بكر الخلال يروي عن أصحاب الشافعي فهو إذن أبو بكر أحمد بن العباس الخلال المترجم في لسان الميزان بما نصه :

(( أحمد بن العباس بن حمويه أبو بكر الخلال متهم روى أبو بكر بن شاذان عنه عن الزعفراني عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا قال ملعون ملعون من سب أباه فذكر حديثا طويلا قال الخطيب ما في الإسناد من يحمل عليه سواه انتهى
ولفظ الخطيب: لا يثبت هذا الحديث بهذا الإسناد والحمل فيه على الخلال فإن كل من عداه من المذكورين في الإسناد ثقة وكان قد رواه عن أبي القاسم الأزهري عن بن شاذان وقال بن شاذان هذا الخلال ما حدث بغير هذا الحديث
)) اهـ.

فهذا الإسناد كما تراه فيه متهمان فهو واه بمرة ولا يصلح لشيء ولا قيمة له.

ومن اللطيف أني وجدت في "الطيوريات" بهذا الإسناد نفسه ما يتعلق بمسألة العقل، مما نحب أن نطلعك عليه ليستفاد وينضم إلى ما تقدم، ففيه:

((سمعت أحمد يقول: سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أبا بكر الخلال يقول: سمعت المزني يقول: قال لي الشافعي: يا مزني، دخلت العراق؟ قلت: أي العراق؟ قال: بغداد، قلت: لا، قال: ما رأيت بعينك الدنيا ولا رأيت عقلاء الرجال )) اهـ.

فهذا السند من جنس ما تقدم وليس يعقل أنه لا يوجد عاقل إلا في بغداد ! فأين ذهب الناس؟ فلو صح هذا الإسناد لصار للصوفية عزاء في أن أهل مكة والمدينة والحجاز كله والشام ومصر .. بل وكل أهل الأرض بمحدثيهم وفقهائهم وغيرهم كلهم لا عقل لهم إلا أهل بغداد، على أن الصوفية في بغداد أكثر منهم في غيرها ! فهذا الكلام إما موضوع على الشافعي مكذوب عليه أو أن ينزل على سبيل المبالغة أو بعض المعاني التي ذكرناها لك من قبل، والله أعلم.

إلزام متكرر للمخالف :

ويقال للمخالف هذا البيهقي وشيخاه الحاكم والسلمي وشيخه الرازي وشيخه ابن المولد كلهم صوفية، فهل هم عدول عقلاء ثقات أهل ضبط عند المخالف أم لا ؟ فإن قال هم كذلك فقد رد على نفسه بجعله الصوفية ومشايخ الصوفية عدولا عقلاء ضابطين ثقات بعد أن ادعى عليهم أنهم لا عقل لهم ولا دين وأنهم كالرافضة والحرورية فرد على نفسه وخصم نفسه وقطع حجته، وإن قال ليسوا عدولا ولا ثقات ولا عقلاء ولا ضابطين، قلنا له فما بالك تحتج بأخبار أناس ليسوا عقلاء ولا ثقات ولا عدول ولا ضابطين؟؟ فمن هو ناقص العقل هنا؟؟!! فوجب عليك إذا كانوا غير عدول ولا عقل لهم أن تطرح أخبارهم وتسقط مروياتهم.

بيان أن هذا الخبر فاسد بالمعنى الظاهر:

اعلم أن هذا الخبر يجب بطلانه من ناحية أخرى غير السند، وهو معناه ـ من حيث الظاهر الذي يريده المخالف ـ القائل أن الصوفية يتصفون بكثرة الكسل والنوم والأكل وفضول الكلام !! وهذا الكلام إذا عرض على كتب التصوف كلها، وطبقات رجالهم أو عرض على كتب التاريخ والمؤرخين ومصنفات الناس في الطباق والتراجم والرجال والفرق قديما وحديثا حتى تلك التي تذكر معايب الصوفية كتلبيس إبليس ونحوه وكتب ابن تيمية وابن القيم ونحوها بل حتى تلك التي بين يدي المخالفين من كتب أشياخهم المعاصرين بل وكتب غير الإسلاميين من المؤرخين العجم والأدباء فإنك ستجد كل هذه الموارد مجمعة على أن الصوفية كانوا يبالغون في التعبد والتزهد في المأكل والمشرب واللباس ويشددون العبادة، وأن من عاب عليهم ونبه على خطأ بعضهم فإنما يتكلم على مبالغتهم وتشديدهم في ذلك، فهذا إجماع بين الناس لا خلاف بينهم فيه، وهذا الخبر عن الشافعي يعكس المسألة فيجعل الصوفية على النقيض من ذلك كله، ويجعلهم أقرب إلى أهل البطالة من عامة الناس بحيث لا يمتازون عن الكسالى منهم، وهذا تناقض، وإلا كيف يكون الصوفي مستحقا للنقد بسبب قلة طعامه وطيه الأيام والليالي حتى ييبس جلده كما يقول ابن الجوزي وغيره، ويكون في نفس الوقت أكولا؟! وكيف يكون الصوفي مبالغا في قيام الليل وإحيائه كله مع السياحة في النهار ثم يكون نؤوما؟! وكيف نجمع بين ما عرف عن الصوفية من إيثار الصمت وبين كونه كثير الفضول؟ فهذا كله لا يعقل ولا يمكن قبوله تاريخيا، وقد قال الإمام الشافعي في ما رواه ابن ابي حاتم في مناقبه بإسناد جيد :

((حدثني أبي، حدثنا حرملة، قال: سمعت الشافعي، يقول: «كل ما قلت لكم، فلم تشهد عليه عقولكم وتقبله، وتره حقا فلا تقبلوه، فإن العقل مضطر إلى قبول الحق))اهـ.

فعرضنا هذا المنقول عن الشافعي في وصف الصوفية ونظرنا فيما هو معلوم متواتر لدى أهل الإسلام كلهم عن زهد الصوفية وتقللهم في المشرب والمأكل والملبس وتشددهم في العبادة فرأيناه منقولا لا يستقيم ولا يتفق مع الواقع ولا يقبله العقل، فتركناه وأخذنا بالحق المعلوم لدينا كما أوصى الشافعي.

معنى هذا الخبر الذي غفل عنه المخالف:

اعلم أن لهذا الخبر تأويلا ـ على فرض صحته ـ لم يصل إليه فهم المخالف، وذلك أن قول الشافعي ـ على فرض ثبوته ـ (لا يكون الصوفي صوفيا حتى يكون كسولا .. إلخ) معناه أن الصوفي لا يكون صوفيا بالنشأة والولادة، وإنما يترقى إلى التصوف وينتقل من حال إلى حال، فلا يرتقي إلى مرتبة التصوف إلا بترك ملذاته السابقة، فالتصوف حال لاحقة بعد حال سابقة، بأن يكون في أصله نشأ كسولا أكولا نؤوما كثير الفضول، فلا يزال يترقى بالمجاهدة، ويدع هذه الصفات فيقل أكله بالجوع والصيام ويقل نومه بطول القيام ويقل فضوله بكثرة الصمت وإمساك اللسان حتى يرتاض على ذلك فحينئذ يصير صوفيا، إذن فلا يكون الصوفي صوفيا فجأة بل لا يكون كذلك حتى يكون قبل ذلك غير متصوف أي كسولا نؤوما أكولا كثير الفضول، وأما من لم يكن كذلك أصلا بأن كان في أصله مقلا من الطعام والنوم طبعا وأصالة فهذا ليس صوفيا لفقد ركن المجاهدة، ومما يوضح هذا المعنى أكثر قولنا : (لا يكون الخل خلا حتى يكون خمرا) أو ( لا يكون التمر تمرا حتى يكون رطبا) أو ( لا يكون الشيخ شيخا حتى يكون مريدا) أو ( لا يكون الطبيب طبيبا حتى يكون متدربا) أو ( لا يكون الديك ديكا حتى يكون فرخا ولا يكون فرخا حتى يكون بيضة) أو ( لا يكون الجمل جملا حتى يكون حوارا) أو ( لا يكون الزبيب زبيبا حتى يكون عنبا) .. إلخ

ومن الحجة في ذلك كلام الفصحاء من الصحابة والتابعين ويغيرهم وهاك أمثلة:

ـ قول أبي الدرداء: لا يكون عالما حتى يكون متعلما ولا يكون عالما حتى يكون بالعلم عاملا.
ـ قال مسروق ابن الأجدع : لا يكون ميراث حتى يكون قبله صداق.
ـ وكان الحسن يقول : يا سبحان الله كانوا فقهاء علماء علم انه لا يكون عمل حتى يكون هم.
ـ وقال ابن حبان : لا يكون له الشفعة حتى يكون شريكا لبائع الدار.


فكذلك لا يكون الصوفي صوفيا حتى يكون قبل ذلك كسولا نؤوما أكولا .. ثم يقلل ذلك فيصير صوفيا.

فإن قلت : من أين أتيت بتقدير (قبل ذلك) و (يقلل ذلك) قلنا : هذا كما قال أبو الدرداء (لا يكون عالما حت يكون متعلما) أي لا يكون عالما حتى يكون قبل ذلك متعلما فيتعلم فيصيرعلما، فهذا إيجاز حذف معروف عند العرب، وهو التقدير اللازم في كلام الشافعي، وشاهده في القرآن الكريم (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) فمن كان ضعيف العقل ظن أن الله أمرهم بالفسق ففسقوا، ولكن المعنى أمرنا مترفيها بالإصلاح والطاعة فلم يأتمروا وفسقوا فيها، فهذا التقدير لا بد منه وإلا فسد المعنى، ولهذا لا يصلح للكلام على عبارات الشافعي ومن في مقامه إلا من عرف كلام العرب وطرائقه ومحامله، وبهذا التأويل الذي ذكرناه يصح المعنى ولا يضطرب ولا يتعارض مع العقل والواقع التاريخي، والله أعلم.


يأتي الخبر الخامس إن شاء الله تعالى.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله

آخر تعديل بواسطة الأزهري ، 26-01-2016 الساعة 08:07 AM
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 18-01-2011, 08:23 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,742
افتراضي

الخبر الخامس :

ما رواه الحافظ أبو نعيم في الحلية قال:

(( حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا أبو الحسن البغدادي ثنا ابن صاعد قال سمعت الشافعي يقول أسس التصوف على الكسل)) اهـ.

ومن طريق أبي نعيم أخرجه ابن الجوزي في تلبيس إبليس قال :
(( أخبرنا اسماعيل بن احمد السمرقندي نا حمد بن احمد الحداد نا أبو نعيم الأصفهاني)) وساق باقيه.

الكلام على إسناد هذا الخبر:

أبو نعيم الأصفهاني صاحب الحلية الإمام الحافظ الصوفي المشهور، وشيخه هو صاحب التصانيف أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر محدث مشهور صاحب تصانيف قيل ضعفه أبو أحمد العسال الحافظ.

وأما شيخه أبو الحسن البغدادي فقد حيرني فهو مشتبه جدا، فما أدري من هو ذا، وأقرب شيء أن يكون هو ابن السكن المترجم في طبقات محدثي أصبهان لأبي الشيخ ولأبي نعيم، قال أبو الشيخ في طبقاته:
((أحمد بن محمد بن السكن قدم علينا سنة أربع وثلاثمائة يحدث عن إسحاق الخطمي وعيسى الشيوزي وابن سهم الأنطاكي والجرشي والخلق ففتش عنه وكان ممن يسرق الحديث ويحدث بالبواطيل فتركوا حديثه ..)) ثم ذكر حديثا عنه.

وذكره الحافظ أبو نعيم في طبقاته وصرح بكنيته ونسبته (أبو الحسن البغدادي) فقال:
((أحمد بن محمد بن السكن بن عمير بن سيار أبو الحسن البغدادي القرشي: قدم علينا سنة أربع وثلاثمائة كان أبو أحمد حسن الرأي فيه وروى عنه روى عن المتقدمين إسحاق الخطمي وابن سهم الأنطاكي وطبقتهما من البصريين وغيرهم فيه لين فيما ذكره أبو محمد بن حيان)) اهـ.

وترجمته في لسان الميزان :
(( أحمد بن محمد بن السكن الحافظ عن إسحاق بن موسى الخطمي ونحوه ضعفه عبدان الشيرازي وقال بن مردويه كان ممن يسرق الحديث ..))اهـ.

وأما ابن صاعد فهو مشكل جدا، لأن المشهور هو الحافظ الكبير يحيى بن محمد بن صاعد المولود سنة 228هـ وله أخوان أحمد وهو الأوسط ويوسف وهو الأكبر، وليس واحد منهما يمكنه إدراك الشافعي ليقول سمعت الشافعي، قال الحافظ الدارقطني:

(( سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرزاز يقول : سمعت موسى بن هارون يقول : بنو صاعد ثلاثة : يحيى أثبتهم ، ويوسف كان أكبرهم ، وأحمد كان أوسطهم ، ولهم عم يقال له : عبد الله بن صاعد يحدث عن سفيان بن عيينة، وكان له مسائل ، سأل عنها سفيان في التصوف والزهد وغير ذلك )) اهـ.

وقد اختبرت تواريخ وطبقات شيوخ هؤلاء الإخوة الثلاثة فلم يدركوا الشافعي، فلم يبق إلا عمهم عبد الله بن صاعد صاحب مسائل التصوف، وهذا لم يذكروا فيه جرحا ولا تعديلا، ومن أخباره كأنه من أقران الشافعي فلا أظنه هو أيضا، فلم يبق إلا أن يكون مجهولا أو يكون سقط بين ابن صاعد والشافعي رجل، وعلى كل حال فهو سند ضعيف.

معنى هذا الخبر:

إذا صح هذا الخبر فله أجوبة:

الأول: أن الشافعي ذكر ما تأسس عليه التصوف فلم يذكر زندقة ولا إلحادا ولا كفرا ولا بدعة ولا ضلالة، ولم يجد إلا الكسل، وهذا لا عيب فيه ما لم يقطع العبد عن واجب، فلو أن الشافعي رضي الله عنه أراد هذا المعنى الظاهر من الكسل لكان حجة على المخالفين لأن الشافعي لما ذكر أساس التصوف ذكر الكسل، ومخالفونا لو ذكروا أساس التصوف لذكروا الكفر والإلحاد وأشباه هذه التهم الباطلة فبان أنهم مخالفون للشافعي في فهمه.

الثاني : أنه تكلم عن تأسيس التصوف فجاز أنه يعني به من تصوفوا قبل صوفية الإسلام، وأولئك قد يجوز أن يكون التصوف كان فيهم كذلك، فلما جاء الإسلام صار أساس التصوف الزهد والورع والنشاط في العبادة، فيكون الشافعي يذكر أساسا بعيدا لا وجود له في الإسلام كما أن من سبق كانت فيهم رهبانية ورهبانية الإسلام الجهاد، وكانوا يطوفون عراة بمكاء وتصدية، ويحجون فيشركون، فكذلك التصوف الجاهلي كان كسلا، وأما تصوف الإسلام فالجد في العبادة.

الثالث : يجوز أن الشافعي يعني أن الكسل بمعنى التفرغ، أي عكس شغل اليد والبال والقلب، فتخلية البال والقلب والجوارح من الأشغال هو الكسل لكنه كسل عن الدنيا، كسل عما يشغل عن العبادة، فهو على هذا أول مراتب العبادة، لأن من لم يتفرغ للعبادة لا يجتهد فيها، فإذا تفرغ للعبادة صفا قلبه وذهنه وجوارحه للطاعة، فيكون أساس التصوف الكسل بمعنى ترك المشاغل فهو على هذا المعنى معين على العبادة، وبمثل هذا المعنى نطق الزاهد شقيق البلخي، فيما رواه أبو نعيم في الحلية قال:
(( حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أبو بكر بن أبي عاصم قال سمعت أبا تراب يقول سمعت حاتما الأصم يقول سمعت شقيقا يقول الكسل عون على الزهد))اهـ.

ومصداق ذلك الحديث القدسي الذي صححه الحاكم ووافقه الذهبي وفيه :
((يقول الله عز و جل ابن آدم تفرغ لعبادتي املأ صدرك غنى و أسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا، و لم أسد فقرك))اهـ.

الرابع: ولا يبعد أن الشافعي أراد بالكسل هنا معنى الإكسال الوارد في الحديث المنسوخ (ليس في الإكسال إلا الوضوء) ومعناه هنا كما في التاج على القاموس: ((وأكسل الرجل في الجماع : خالطها ولم ينزل ، وذلك إذا لحقه فتور ، ومعناه صار ذا كسل )) اهـ. فاستعمل الشافعي الكسل بمعنى الفتور عن النكاح والزهد فيه، حال عدم تعلق النفس به، وهذا المعنى صرح به الشافعي في بعض كلامه. وقد قيل بهذا المعنى في تفسير وصف يحيى (سيدا وحصورا)، والله أعلم.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله
رد مع اقتباس
  #21  
قديم 18-01-2011, 08:36 PM
الصورة الرمزية عبد الكريم الرازي
عبد الكريم الرازي عبد الكريم الرازي غير متواجد حالياً
(مدير عام) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
المشاركات: 1,568
افتراضي

بوركتم شيخنا الحبيب الأزهري
هذه الدرر تستحقّ أن تخرج في كتاب أو رسالة..
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 19-01-2011, 12:19 PM
محمود عمر محمود عمر غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
المشاركات: 962
افتراضي

نعم لو عملت كتيب صغير يرد فيه على هذه النصوص لكان أفضل حتى يعم النفع بدل ما تكون أسيرة هذا المنتدى
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 19-01-2011, 08:13 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,742
افتراضي



الخبر السادس :

ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي في جزء من كلام الشافعي في التصوف ـ وعنه البيهقي في مناقب الشافعي ـ قال : (( سمعت عبد الله بن الحسين السلامي يقول سمعت علي بن الحسين المصري قال سمعت أيوب بن سليمان يقول سمعت محمد بن محمد بن ادريس الشافعي قال سمعت أبي يقول : صحبت الصوفية عشر سنين ما استفدت منهم إلا هذين الحرفين الوقت سيف، وأفضل العصمة ألا تجد))اهـ.

ولفظ البيهقي في مناقب الشافعي ـ قال : (( .. ومن العصمة أن لا تقدر))اهـ.

وأخرجه ابن الجوزي في التلبيس من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال:
((وقد سمعت أبا عبد الله حسين بن علي المقري يقول سمعت أبا محمد عبد الله بن عطاء الهروي يقول سمعت عبد الرحمن بن محمد بن المظفر يقول سمعت أبا عبد الرحمن بن الحسين يقول ... )) وذكره.


إسناد هذا الخبر :

البيهقي وشيخه السلمي تقدما، وأما عبد الله بن الحسين فهو ابن موسى السلامي أبو الحسن ترجمته في تاريخ بغداد ودمشق، وقال في لسان الميزان:
((عبد الله بن موسى بن كريد أبو الحسن السلامي حدث بنيسابور عن بن صاعد وطبقته قال الخطيب حدث بخراسان وسمرقند وبخارى وفي رواياته غرائب ومناكير وعجائب روى حديثا ما له أصل سلسله بالشعراء منهم الفرزدق عن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه لكن المتن جيد قال الحاكم صحيح السماعات إلا أنه كتب عمن دب ودرج من المجهولين وأصحاب الروايات ثم قال وكان أبو عبد الله بن مندة سيء الرأي فيه وما أراه كان يتعمد الكذب في نقله قال غنجار مات سنة أربع وسبعين وثلاث مائة انتهى قال الإدريسي كان شاعرا كثيرا الحفظ للحكايات والنوادر صنف كتبا كثيرة وكان صحيح السماع إلا أنه كتب عمن دب ودرج وأعاده المؤلف بعد ترجمة واحدة مختصرا وغفل عن أن ينبه على ذلك)) اهـ.

وأما شيخه ففي جزء السلمي علي بن الحسين المصري، وفي مناقب البيهقي علي بن أحمد، وفي التلبيس علي بن محمد المصري وهو هو نسب إلى أبيه مرة وإلى جده مرة ـ وتحرف الحسن إلى الحسين ـ وهو أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن الحسن البغدادي الواعظ المشهور بالمصري لإقامته مدة بمصر، وثقه الخطيب البغدادي وتوفي سنة 338هـ

وأما أيوب بن سليمان فمشتبه، وقد ذكر الخطيب في المتفق والمفترق ستة عشر راويا كلهم يسمى أيوب بن سليمان، ما فيهم واحد يصلح أن يكون هذا هنا، وأخشى أن يكون أيوب بن محمد بن أيوب بن سليمان أبو ميمون الصوري الذي كذبه الدارقطني، فنسب إلى جده والله أعلم.

فهذا الخبر الآن بهذا الحال فيه صاحب مناكير يجب الحذر منه، وفيه مجهول عندنا الآن نحتاج إلى التعرف عليه فهذا الخبر عندنا الآن لا يصح.

معنى هذا الخبر :

فإن صح هذا الخبر فلنا معه كلام يجعله حجة للصوفية لا ضدهم:

أولا : متى صحب الشافعي الصوفية؟؟

يعرف كل من طالع سيرة الإمام الشافعي في كتب مناقبه أنه ولد في فلسطين وبعد سنتين نقل إلى مكة، وهناك نشأ والتحق بالكتاب وحفظ القرآن مع الغلمان وفي حدود الثامنة أو التاسعة صار يتجول في هذيل والبوادي يتعلم الشعر والأدب وأيام العرب وأخبارهم، فلامه بعض الناس على تضييع وقته في ذلك ورغبه في طلب الفقه، فحبب إليه طلب علوم الدين وهو في نحو العاشرة، فلزم سفيان بن عيينة في مكة ثم مسلم بن خالد الزنجي في مكة وحفظ الموطأ ورحل ابن ثلاثة عشرة سنة إلى المدينة للتلقي عن مالك بن أنس .. ولما بلغ الخامسة عشرة وقيل الثامنة عشرة وكان فرغ من الأخذ عن ابن عيينة ومالك أجازه شيخه الزنجي بالإفتاء.

هذا ملخص لسيرة الشافعي قبل الخامسة عشرة من عمرة وقبل أن يجاز بالإفتاء، فمتى تعرف الشافعي على الصوفية وصحبهم؟؟؟

هناك خياران أمام المخالفين لا ثالث لهما:

ـ إما أن يكون الشافعي بدأ صحبة الصوفية في مرحلة أخذه عن شيوخه كالزنجي وابن عيينة ومالك ! وهذا معناه أنه بقي يصحب الصوفية أثناء ذلك وبعد ذلك واستمر يصحبهم بعد أن أجيز بالإفتاء نحو سبع سنين !!!

ـ وإما أن يكون إنما صحبهم فيما بعد مرحلة إجازة الإفتاء.


وعلى كل حال منهما فمعنى ذلك أن الشافعي صحب الصوفية وهو عالم محدث فقيه مفت !!! واستمر يصحبهم، فكيف استمر الشافعي على ذلك الحال وهو عالم مفت فقيه إذا كان الصوفية كما يزعم المخالفون بأنهم بمنزلة المعتزلة والرافضة والقدرية والحرورية ؟؟!!!! هذا سؤال كبير جدا، أليست تلك المدة الطويلة من الصحبة دالة على أن الشافعي لم ير في الصوفية ما يراه المخالفون؟؟!! إي والله.

ثانيا : يزعم بعض المخالفين اليوم أن الشافعي لما عرف ضلالهم تركهم ؟!! وهذا عجيب فإن إماما كالشافعي ما كان يحتاج إلى عشر سنين ليكتشف ضلالهم إن كانوا ضالين وكان يكفي مثله في ذكائه وعلمه وفقهه وبلوغه مرتبة الإفتاء كان يكفيه يوم واحد أو شهر وأما أن يبقى عشر سنين معهم فهذا لا يقبله أقل المخالفين عقلا وفطنة على نفسه فكيف يقبلونه على ذكي أذكياء العالم في وقته؟؟!!

ثالثا : عبر الشافعي بكلمة الصحبة وهي أجل وأعظم خطرا وأشمل من مجرد اللقاء والأخذ فالصحبة لها معنى واسع، ولها شروط لا تجب في الشيخ بخلاف الصحبة، وهذا دليل على أن الشافعي وجد في القوم ما يستوجب أن يصحبهم عليه عشر سنين وهو لم يصحب أحدا من شيوخه هذه المدة قط .

رابعا : يظهر أن صحبته إياهم كانت في مكة والمدينة، والحجاز في ذلك الوقت كان خاليا من البدع ممتنعا عليها وعلى أهلها، بل إن أصحاب الرأي لا يملكون قاعدة في الحجاز فكيف يتصور أن يكون الصوفية ظاهرين في الحجاز بحيث يمكن للشافعي أن يصحبهم دون أن ينكر عليهم الولاة والأئمة من أهل الحجاز وهم يرون تلميذهم الشافعي يصحبهم، وهذا الشافعي لما أخذ عن ابن أبي يحيى الأسلمي وكانت فيه بدع تكلم الأئمة في ابن أبي يحيى وتعجبوا من أخذ الشافعي عنه فكيف بمن صحبهم الشافعي عشر سنين؟!!!! فدل ذلك على أنهم لم يكونوا أهل بدعة ولا ضلالة، ولو كانوا كذلك لطردوهم من مجالسهم ولم يحدثوهم، ولكن ذلك لم يحدث وقد حضر شيخ صوفية مصر إدريس بن يحيى الخولاني عند مالك، وحضر سالم بن ميمون الخواص عند مسلم بن خالد الزنجي، وتكرر الصوفية على مجالس سفيان بن عيينة حتى أتعبوه لكثرة سؤالهم عن الحديث:

الصوفية وسفيان بن عيينة شيخ مكة:

روينا ذلك في كامل ابن عدي بإسناد صحيح، قال:
((حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الكريم حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري حدثنا سفيان عن الأحوص يعني بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه و سلم صلى في شملة قد عقدها.
قال لنا أحمد: قال الزهري: قال لنا سفيان: "الصوفية قد عنوني كم يسألوني عن هذا الحديث")) اهـ.

وروينا في سؤالات السلمي للدارقطني عن الدارقطني أنه قال:
(((( سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرزاز يقول : سمعت موسى بن هارون يقول : بنو صاعد ثلاثة : يحيى أثبتهم ، ويوسف كان أكبرهم ، وأحمد كان أوسطهم ، ولهم عم يقال له : عبد الله بن صاعد يحدث عن سفيان بن عيينة، وكان له مسائل ، سأل عنها سفيان في التصوف والزهد وغير ذلك )) اهـ.

فهذا دليل اجتماع الصوفية في مجلس سفيان وغيره من الأئمة، فلم يطردهم واحد من هؤلاء الأئمة وما كانوا يمكنون أهل البدع والضلالة من مجالسهم، وهذا يقوي أن الشافعي إنما تعرف على الصوفية في مجالس الحديث بمكة والمدينة.

خامسا : وأما قوله (ما استفدت منهم إلا هذين الحرفين)

ـ فليس في ذلك ذم، بل إن الشافعي إنما صحبهم وهو عالم بل أعلم منهم، فلم يكن ليستفيد منهم في العلم، وأكثر ما يستعمل لفظ الاستفادة في العلم دون الزهد وقلما يستعمل في الزهد، وأما في باب الحكمة فقد أخبر بما استفاد منهم، وكيف يتصور أن يستفيد منهم في العلم وهو أعلم منهم بل كان مفتيا ؟؟!! فالشافعي لم يقصد أنه لم يستفد منهم في شيء مطلقا بل يقصد أنه لم يستفد منهم في باب العلم والحكم وإن كان استفاد منهم في الزهد والورع وإلا فما باله صحبهم عشر سنين؟؟؟

ونؤيد هذا بمعان:

ـ منها ما في معجم الأدباء من أن المازني قال : (قرأ الرياشي علي كتاب سيبويه فاستفدت منه أكثر مما استفاد منى).
قال ياقوت : (يعني أنه أفادني لغته وشعره وأفاده هو النحو) فالمازني لما قال بأنه استفاد من الرياشي أكثر إنما قصد في فن الرياشي الذي يحسنه وهو اللغة، وإلا فإن المازني أعلم في النحو من الرياشي، فكذلك الشافعي إنما قصد بأنه لم يستفد من الصوفية أي في العلم والحكمة وإن كان استفاد منهم في مجالهم وهو الزهد والسلوك.
ـ ومنها ما في تاريخ بغداد ودمشق من قول أبي البختري : ( لأن أكون في قوم أعلم مني أحب إلي من أن أكون في قوم أنا أعلم منهم لأني إن كنت أعلمهم لم أستفد وإن كنت مع من هم أعلم مني استفدت)
فكذلك الشافعي لما كان في قوم هو أعلم منهم لم يستفد في العلم منهم شيئا سوى حرفين، وإن كان استفاد منهم في غير العلم.
ـ ومنها قول ابن الجوزي في صفة الصفوة عن شيخه الأنماطي: (فاستفدت ببكائه ما لم أستفد بروايته).
فكذلك الشافعي إنما استفاد منهم في الزهد لا العلم فافهم هذا.

وبهذا رجع هذا الخبر ـ إن صح ـ حجة على المخالف وليس له.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله

آخر تعديل بواسطة الأزهري ، 26-01-2016 الساعة 07:52 AM
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 23-01-2011, 07:38 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,742
افتراضي

الخبر السابع :

ذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس عن الشافعي ما نصه :

((وعنه أيضا أنه قال ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد عقله إليه أبدا ))اهـ.

وهذا الخبر كما ترى لم يذكر ابن الجوزي سنده، وقد اجتهدت أن أقف عليه مسندا فلم أفلح بعد، فإذا جاء سنده تكلمنا عليه، وأما الآن فنتكلم على بطلانه من جهة المعنى فنقول:

لا يجوز أن يكون هذا الخبر ـ على ظاهره ـ صحيحا عن الشافعي عندنا ولا عند المخالفين من وجوه :

الأول: أننا نعلم على القطع أن كثيرا من الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن سلكوا طريق التنسك والتصوف كانوا عقلاء حكماء فطناء، وأن فيهم المحدثين والمفسرين والفقهاء والنحويين .. وإليهم تنتهي أسانيد الكتاب والسنة، فوجب أن يكون هذا الخبر كذبا إن لم يحتمل تأويلا معقولا.

الثاني أن المخالفين زعموا فيما نقلوا أن الشافعي صحب الصوفية عشر سنين كما تقدم، فكيف يعقل أن يقر الشافعي على نفسه بصحبة الصوفية عشر سنين ثم يقول بأن من صحبهم أربعين يوما لا يعود عقله إليه !! فكأن الشافعي يقول بأن عقله لم يرجع إليه !! فهل عاد عقل الشافعي إليه لما صحبهم عشر سنين أم لا ؟ فإن كان عاد إليه فقد انتقض بهذه العودة معنى الخبر على ظاهره، وإن كان لم يعد إلى الشافعي عقله ـ وهو أعقل خلق الله ـ فلا يوجد في الدنيا عاقل بعده، وقيل إن يونس بن عبد الأعلى تلميذ الشافعي صحب الصوفية ثلاثين سنة !! فكيف عاد له عقله فصار إماما في العلم؟؟

الثالث تقدم أن المخالفين احتجوا بما روي ـ وقد تقدم ـ من أنه لم ير في الصوفية عاقلا إلا سلم بن ميمون الخواص ! وصح عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال مثل ذلك في حق إدريس بن يحيى الخولاني الصوفي ! فإذا كان ذلك كذلك وثبت العقل لصوفي أو أكثر عند الشافعي فكيف قال (ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد إليه عقله أبدا) فهذا التأبيد والقطع يتناقض مع حكمه بالعقل على الخواص وحكم يونس على الخولاني، فثبت بطلان هذا القول من هذه الجهة.

فبهذه الوجوه فقط ثبت بطلان هذا الخبر دون حاجة إلى النظر في إسناده.

ذكر وجوه من التأويل ترفع تناقض الخبر:

أولها : أن يحمل العقل في كلام الشافعي على مراتب عليا منه لا يحتاجها المسلم ويستغني عنها طالب الآخرة، وهذا المعنى قد سبق ذكره.

ثانيها : أن المقصود بالعقل هنا الامتناع والاحتباس، يريد أن من لزم التصوف أربعين يوما لم يعد إلى عقل قلبه ولسانه أي احتباس قلبه ولسانه وعجزه عن الحكمة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أخلص لله العبادة أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) ويؤيد هذا أن الشافعي خص الأربعين، وبما ذكرناه تظهر مناسبة هذا العدد.

ثالثها : أن المقصود بالعقل هنا المكر والدهاء، وهما شعبتان من النفاق، فإذا لزم العبد التصوف لا يعود له خلق المكر والدهاء فيتخلص من النفاق، ويؤيد هذا ما روي (من صلى لله أربعين يوما في جماعه يدرك التكبيرة الأولى ، كتبت له برائتان : براءه من النار ، وبراءه من النفاق) اهـ. وبهذا تظهر مناسبة تخصيص الشافعي الأربعين دون غيرها.

رابعها : أن العقل هنا بمعنى الدية، يريد أن من تصوف زهد في الدنيا حتى لو استحق دية لم يقبلها فلا تعود إليه لتصوفه وزهده.

خامسها : أن العقل بمعنى العاقلة، أي أن عاقلته ييأسون منه لزهده وفقره، فلا يطلبون منه معونة في دية ونحوها.

وهذه التأويلات وإن كان بعضها متكلفا لكنه محتمل، وما كان محتملا لمعنى لا يحصل معه تناقض وكذب كان حريا أن يحمل عليه الخبر.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله

آخر تعديل بواسطة الأزهري ، 26-01-2011 الساعة 01:19 PM
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 23-01-2011, 08:55 PM
الصورة الرمزية عبد الكريم الرازي
عبد الكريم الرازي عبد الكريم الرازي غير متواجد حالياً
(مدير عام) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
المشاركات: 1,568
افتراضي

لا إله إلا الله
اللهمّ زد و بارك
نفع الله بكم مولانا الأزهري و كتب لكم بكلّ حرف مثل جبل أحد أجرا
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 24-01-2011, 07:23 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,742
افتراضي

هذا كل ما وقفت عليه عن الإمام الشافعي في شأن الصوفية مما يكثر الحشوية من ذكره للتشنيع به على الصوفية، وقد رأى كل من قرأ ضعف أسانيد هذه الأخبار، ورأى وجوه التأويل المحتملة على فرض صحتها، ورأى كيف انقلب أكثر هذه الأخبار على المخالفين، وبقي أن نذكر أخبارا يتحاشاها الحشوية هي أصح وأقوى مما مضى لا يذكرونها:

الخبر الأول: (شيخ صوفي يعلم الشافعي دليل الإجماع) :

هذه الحكاية أخرجها البيهقي في "المدخل" كما قال الإمام تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية، ولم أجدها في المدخل إلى السنن الكبرى المطبوع لأنه طبع على نسخة ناقصة، فلعل هذه الرواية في الناقص، وأخرجها الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريقين إلى الزبير بن عبد الواحد، وأخرجها من طريق البيهقي الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء كما سيأتي، قال التاج السبكي في طبقاته:

((قال البيهقى فى كتاب المدخل أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنى أبو عبد الله الزبير بن عبد الواحد الحافظ الأسداباذى قال سمعت أبا سعيد محمد بن عقيل الفريابى يقول قال المزنى أو الربيع: كنا يوما عند الشافعى بين الظهر والعصر عند الصحن فى الصفة والشافعى قد استند إما قال إلى الأسطوانة وإما قال إلى غيرها إذ جاء شيخ عليه جبة صوف وعمامة صوف وإزار صوف وفى يده عكازه قال فقام الشافعى وسوى عليه ثيابه واستوى جالسا قال وسلم الشيخ وجلس وأخذ الشافعى ينظر إلى الشيخ هيبة له إذ قال له الشيخ أسأل؟
قال الشافعى سل قال أيش الحجة فى دين الله؟
فقال الشافعى كتاب الله.
قال وماذا؟ قال وسنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
قال وماذا؟ قال: اتفاق الأمة.
قال من أين قلت اتفاق الأمة.
قال من كتاب الله.
قال من أين فى كتاب الله.
قال فتدبر الشافعى ساعة.
فقال الشيخ قد أجلتك ثلاثة أيام ولياليها فإن جئت بحجة من كتاب الله فى الاتفاق وإلا تب إلى الله عز وجل.
قال فتغير لون الشافعى ثم إنه ذهب فلم يخرج ثلاثة أيام ولياليهن.
قال فخرج إلينا فى اليوم الثالث فى ذلك الوقت يعنى بين الظهر والعصر وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه وهو مسقام فجلس قال فلم يكن بأسرع من أن جاء الشيخ فسلم وجلس فقال: حاجتى؟
فقال الشافعى نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عز وجل: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) لا يصليه على خلاف المؤمنين إلا وهو فرض.
فقال: صدقت. وقام وذهب.
قال الفريابى قال المزنى أو الربيع قال الشافعى لما ذهب الرجل قرأت القرآن فى كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه
. انتهت القصة.

قال الذهبي في النبلاء : ((أنبئت بهذه القصة، عن منصور الفراوي، أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي، أخبرنا أبو بكر البيهقي، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا الزبير، فذكرها))اهـ وهذا إسناد مضيء.

قال الإمام التاج على إثرها: ((قلت: إن ثبتت هذه الحكاية فيمكن أن يكون هذا الشيخ الخضر عليه السلام وقد فهمه الشافعى حين أجله واستمع له وأصغى لإغلاظه فى القول واعتمد إشارته، وسند هذه الحكاية صحيح لا غبار عليه)) اهـ

وبعد تصحيح التاج السبكي لا نتكلم في السند، فإن كان هو الخضر فقد جاء في صورة رجل صوفي، وهذه منقبة للصوفية، وإن لم يكن فهو شيخ صوفي أراد الله تعليم الشافعي التواضع على يديه، وفي القصة إجلال الشافعي لهذا الشيخ الصوفي وتأدبه معه، فإن صحت بعض الأخبار الماضية من قول الشافعي أنه صحب الصوفية فلم ير فيهم عاقلا ولم يستفد منهم سوى حرفين فلعل الشافعي لما قال ذلك أراد الله تعالى أن يسوق له صوفيا عاقلا يستفيد الشافعي بسببه الدليل من كتاب الله على أحد أهم مصادر التشريع الإسلامي فلهذا الشيخ الصوفي منا الشكر والتحية وإن رغمت أنوف الحشوية.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله

آخر تعديل بواسطة الأزهري ، 24-01-2011 الساعة 07:31 PM
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 24-01-2011, 08:08 PM
فراج يعقوب فراج يعقوب غير متواجد حالياً
ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 3,648
افتراضي

[فلهذا الشيخ الصوفي منا الشكر والتحية وإن رغمت أنوف الحشوية.]..ولمولانا الأزهري الشكر والتحية نفع الله به أمة خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 25-01-2011, 06:35 AM
أبو الهداية أبو الهداية غير متواجد حالياً
مشارك قوي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 541
افتراضي

جزاكم الله خيرا شيخنا الأزهرى
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 25-01-2011, 10:29 AM
الصورة الرمزية أحمد الهاشمي
أحمد الهاشمي أحمد الهاشمي غير متواجد حالياً
ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
المشاركات: 1,140
افتراضي

أثابكم الله، حفظكم الله، أيدكم الله. وصلى الله وسلم تسليما كثيرا طيبا مباركا فيه على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وذويه. آمين والحمد لله رب العالمين.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله

آخر تعديل بواسطة أحمد الهاشمي ، 26-01-2011 الساعة 10:38 AM
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 25-01-2011, 02:16 PM
الصورة الرمزية الأزهري
الأزهري الأزهري غير متواجد حالياً
(مشرف) ثقة ثقة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,742
افتراضي

الخبر الثاني: (الشافعي يثني على أبي عمران الصوفي)

أخرج أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في "آداب الشافعي ومناقبه" قال:

(( ثنا الحسين بن الحسن الرازي، ثنا عبد الله بن الحسن السجستاني: سمعت إسماعيل الطيان الرازي، يقول: " قدمت مكة، فلقيت الشافعي، فقال لي: أتعرف موسى الرازي؟ ما قدم علينا من ناحية المشرق، أنزع لكتاب الله منه، فقلت له: يا أبا عبد الله، صفه لي، فقال: كهل قدم علينا من الري، فوصفه لي فعرفته بالصفة، أنه أبو عمران الصوفي، فقلت: أعرفه، هو أبو عمران الصوفي، قال: هو، هو " )) اهـ.

إسناد الخبر:

الحسين بن الحسن أبو معين الرازي ثقة، وشيخه هو عبد الله بن الحسن الهسنجاني، والسجستاني تحريف وقع في المطبوعة فيما أرى، وهو رازي صدوق، وأما شيخه إسماعيل الطيان فلم أر من ترجمه.

فإن قيل: فالخبر ضعيف لجهالة الطيان؟ قلنا : رأيناكم تحتجون بأخبار أضعف من هذا لا تلتفتون إلى فساد أسانيدها فإن كان هذا عندكم جائزا لزمكم قبول هذا، وإن كان لا يجوز لزمكم رد ما تذكرونه من الأخبار الضعيفة المتقدمة.
__________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
أسس التصوف, من تصوف, مناظرات, الأحباش, الأزهر, التبليغ, التصوف, البويطي ، تاريخ مصر, الجيلاني البدوي, الدسوقي, الرد على من طعن, الرفاعية, السلفية والصوفية, الشاذلية ، الشاذلي, الشافعي, الصوفي, الصوفية, الإخوان المسلمين, الوهابية والصوفية, النقشبندية, القادرية, ذم التصوف, ذم الصوفية, دمشقية ، الألباني, على الكسل

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة



جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 07:12 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.1
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.

تعريب » شبكة عرب فور هوست


Security By © : Rg Security v5.3
 

::+: مجموعة ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::

::+: ترايدنت للتصميم والتطوير والاستضافه :+::    
تابعونا عبر تويتر